سيد أحمد الخضر-الجزيرة نت

بعد نحو ست سنوات من الصراع المسلح في سوريا يأتي الاتفاق الروسي الأميركي الجديد لوقف إطلاق النار كخطوة مهمة لتهيئة الأجواء للحلول السياسية على الرغم من إشكاليات وعقبات تهدد بإجهاض الهدنة المقرر دخولها حيز التنفيذ بعد يومين.

وأمام تمدد نطاق الصراع في سوريا المنكوبة واستفحال أزمة اللاجئين وضيق الغرب ودول الجوار بإفرازاتها وتبعاتها الاقتصادية والأمنية لم يعد هناك حل سوى أن تخرس البنادق ولو مؤقتا ليجتمع أطراف الحرب على كلمة سواء.

وفي ظل استحالة الحسم الميداني لصالح أي من المتحاربين يبدو الاتفاق الروسي الأميركي في الظاهر "خطوة أولية" في اتجاه الحل السلمي وانتشال البلاد من وحل العنف والفوضى والفشل.

وأهم ما ينص عليه الاتفاق امتناع الطيران السوري والروسي عن قصف قوات المعارضة المسلحة، فيما تلتزم الأخيرة بالتوقف عن محاربة النظام.

ويقضي الاتفاق بأن تبلغ الأطراف الولايات المتحدة وروسيا موافقتها بحلول ظهيرة يوم الجمعة بتوقيت دمشق على أن يبدأ سريان الهدنة منتصف الليل.

وبينما اعتبر البيت الأبيض أن الاتفاق فرصة مهمة يتعين استغلالها للتخفيف من معاناة الشعب السوري والبناء عليها للتقدم بمسار المفاوضات قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إنه "خطوة حقيقية نحو وقف حمام الدم".

بشار الزعبي حذر من استغلال النظام السوري للاتفاق في قصف مناطق المعارضة (الجزيرة)

عنصر القوة
يستمد هذا الاتفاق قوته من كونه أبرم بين الدولتين الأهم على مستوى العالم والأكثر تأثيرا في الصراع السوري وفي الشرق الأوسط بشكل عام.

ونظرا لأهمية دور موسكو وواشنطن في سوريا رحبت دول غربية وعربية بالاتفاق فور الإعلان عنه، فيما قال المبعوث الأممي ستفان دي ميستورا إن هذا الاتفاق "يمكننا من استئناف العملية السياسية المطلوبة لإنهاء هذا الصراع".

ويشير هذا الاتفاق -ضمنيا على الأقل- إلى تخلي موسكو وواشنطن عن التنابز في مجلس الأمن الدولي بشأن القضية السورية، ودفعهما باتجاه الدخول في مرحلة انتقالية تفضي للاستقرار وعودة أكثر من 13 مليون لاجئ ونازح إلى ديارهم.

ولكن في ما عدا النفوذ الأميركي الروسي يخلو الاتفاق من أي مقومات حقيقية تضمن بقاء الهدنة وتمديدها إن صمدت لأسبوعين حيث تغيب الضمانات الأساسية ويبقى الغموض سيد الموقف.

يقول الاتفاق إن الجانبين سينشئان خطا ساخنا لضمان تنفيذ الهدنة واحترامها، وتسجيل الانتهاكات والخروق، دون أن يحدد آليات مقنعة أو يعطي المزيد من التفاصيل.

ولعل هذا لا يعطي ضمانات للمعارضة التي طالما طالبت بإجراءات ميدانية على الأرض تشمل إطلاق سراح المعتقلين وفك الحصار عن المدن.

بشار الأسد: مستعدون لوقف إطلاق النار شريطة عدم استغلال المعارضة التهدئة لصالحها (رويترز)

الغموض والغياب
ويكرس هذا الاتفاق عجز الأمم المتحدة لكون وسطائها ومبعوثيها ومراقبيها فشلوا على مدار السنوات الماضية في تهيئة السوريين للقبول بالجنوح للسلم وترك الاقتتال، مما يتيح لأي من الأطراف لاحقا التنصل منه بذريعة أنه مجرد تفاهم بين دولتين أجنبيتين.

وإلى جانب غياب الأمم المتحدة عن هذا الاتفاق لم تترك القوى الإقليمية بصمتها عليه رغم أنها تمتلك وسائل ضغط قوية على المعارضة والنظام والمليشيات في سوريا.

وإضافة إلى غموض الضمانات، فإن مطوية الاتفاق الروسي الأميركي وضعت في ظرف مفخخ حيث تجيز لموسكو ونظام الأسد قصف جبهة النصرة التي تتداخل مع الجيش الحر "والمعارضة المعتدلة" في الكثير من المناطق، مما يهدد بانفراط عقد الهدنة حتى قبل سريانها.

وانطلاقا من هذا الغموض المفخخ حذر رئيس المكتب السياسي لجيش اليرموك بشار الزعبي من أن يوفر الاتفاق الغطاء للرئيس السوري بشار الأسد وحلفائه الروس لمواصلة قصف المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة وجبهة النصرة وجماعات أخرى توصف بالمتشددة في نظر الروس والنظام والأميركيين.

وفيما حذرت المعارضة من استغلال هذا التداخل في خرق الهدنة قال الأسد في وقت سابق إنه مستعد لوقف إطلاق النار شريطة عدم استغلال مقاتلي المعارضة التهدئة لصالحهم، مما يعني يقظة هواجس الجانبين وتأهبهما للعودة إلى القتال على الفور.

إلى ذلك، فإن وجود مليشيات إيرانية وعراقية ولبنانية تقاتل مع النظام يزيد مخاطر خرق الهدنة، ويفرض تحديات إضافية على النظام السوري لضبط المسلحين الأجانب الذي يقاتلون إلى جانبه.

وأمام غياب الثقة بين الجانبين وعدم توفر الضمانات والآليات يظل واردا التساؤل عما إذا كانت الهدنة المزمعة بداية فعلية لعبور سوريا نحو بر التسوية، أم أنها مجرد فاصل قصير ضمن مسلسل الصراع الطويل.

المصدر : الجزيرة