منذ الأزمة التي اندلعت في ليبيا زادت أعداد الليبيين في تونس بشكل كبير، واستقر بعضهم بعدة مدن تونسية، وزاد إقبالهم للعلاج بالمصحات الخاصة، وأصبحوا في الفترة الأخيرة يلحظون تراجعا في أحوالهم يرجعه أغلبهم لسوء الأوضاع الاقتصادية لتونس في هذه الآونة.

خميس بن بريك-تونس

لم تعد أحوال آلاف الليبيين من المقيمين في تونس أو زائريها كما كانت، فالوضع الاقتصادي الصعب على التونسيين نال نصيبه أيضا من الليبيين الذين باتوا يشكون الغلاء أو ما يراه بعضهم استغلالا وسوء معاملة أحيانا.

فمنذ الأزمة التي اندلعت في ليبيا بعد سقوط نظام القذافي، زادت أعداد الليبيين في تونس بشكل كبير، واستقر بعضهم هناك وزاد توافدهم للعلاج في المستشفيات الخاصة، وأصبحوا يلحظون بشكل واضح تبدلا في أوضاعهم وأوضاع البلاد التي يقيمون فيها.

وزادت في حدة مصاعبهم -بحسب مراقبين- تدهور الأوضاع الأمنية والاقتصادية والاجتماعية في ليبيا، خصوصا عقب الهجمات العسكرية الأخيرة التي شنتها الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة في مدن مثل درنة وصبراطة، ونفاد المدخرات المالية التي كانت تسهل لهم المعيشة والإقامة في تونس التي تشهد أيضا أوضاع اقتصادية صعبة وتوترات أمنية.

ويشتكي الشاب الليبي عمر للجزيرة نت من "سوء معاملة" عند هبوطه مع زوجته وابنه الرضيع في مطار صفاقس (250 كلم جنوب تونس)، حيث فرضت السلطات التونسية -لأسباب أمنية- نزول الطائرات الليبية فيه عوضا عن مطار تونس قرطاج.

ويقول عمر -وهو شاب متخرج في اختصاص الهندسة المدنية- إن وضع ابنه المصاب بمتلازمة داون دفعه وزوجته للسفر من طرابلس إلى تونس بقصد عرضه على طبيب مختص، لكن أعوان الجمارك كادوا أن يرحلوا زوجته ظنا منهم أن جوازها مزور.

خارج مطار صفاقس يقول عمر للجزيرة نت إنه دخل في مشاحنة كلامية مع سائقي سيارات أجرة عندما كانوا يتنافسون بشدة على إيصالهما إلى العاصمة تونس بمبلغ باهظ قدره ثلاثمئة دينار (150 دولارا).

وزارة الداخلية التونسية تقدر عدد الليبيين في البلاد بنحو 2.7 مليون (الجزيرة)

متغيرات الأزمة
ويقول عمر إنه أنفق خلال إقامته أسبوعين في تونس العاصمة مبلغ أربعة آلاف دينار تونسي (ألفي دولار) على مصاريف المستشفى والتحاليل الطبية والسكن والغذاء، مما جعله يعتقد جازما بأن هناك "استغلالا فاحشا" لأوضاع الليبيين في تونس.

بدوره يشتكى المواطن الليبي عبد الفتاح الذي سافر إلى تونس العاصمة، من وجود استغلال في المستشفيات الخاصة، مبينا أنه أنفق نحو 12 ألف دينار تونسي (ستة آلاف دولار) على عملية جراحية قال إنها فشلت في استئصال ورم أصاب ولده.

وبسبب تدهور وضعه المادي في ظل استمرار غلاء الأسعار وهبوط الدينار الليبي، يضطر عبد الفتاح -الذي يعمل تقنيا في تلفزيون ليبي براتب لا يتجاوز سبعمئة دينار ليبي (180 دولارا)- إلى الإقامة في شقق بأحياء فقيرة في العاصمة تونس.

لكن رغم إقراره بمواجهة مصاعب كثيرة في تونس متعلقة بغلاء المعيشة وارتفاع الإيجار والعلاج والغذاء، فإن محمد ينفي تعرضه إلى سوء معاملة من قبل الجمارك أو التونسيين الذين قال إنه لا يجد صعوبة في الاندماج معهم.

وتختلف ظروف إقامة الليبيين بين شرائح مرفهة تقيم في مناطق راقية بالعاصمة -مثل حي النصر والبحيرة والمرسى وغيرها- وأخرى متوسطة وفقيرة تقيم في منازل بمناطق شعبية فقيرة يصل فيها سعر الليلة خمسين دينارا (25 دولارا).

جمال محمد أكد أن الغلاء أثر على وضع الليبيين في تونس (الجزيرة)

أوضاع صعبة
وحتى بعض الليبيين الذين غادروا بلدهم قبل خمس سنوات عقب سقوط نظام القذافي وأقاموا في مناطق راقية، أصبح بعضهم اليوم يشكو من تفاقم مصاعبهم الاجتماعية بسبب ارتفاع الأسعار في تونس وتراجع مدخراتهم أو تعطل رواتبهم.

يقول جمال محمد (54 عاما) -وهو معلم هاجر من ليبيا خوفا على حياته- إن جلّ المهاجرين أمثاله يعانون من غلاء المعيشة ومن وجود نظرة دونية تجاه الليبيين بسبب ما يحصل من توترات في بلدهم.

ويعيش جمال مع زوجته وأبنائه العشرة في إحدى الشقق بحي في العاصمة، بينما يعيش هو حالة بطالة منذ خمس سنوات.

وتقول وزارة الداخلية التونسية إن أعداد الليبيين في تونس بلغت نحو 2.7 مليون، لكن هذا الرقم يتضارب مع أرقام أخرى أقل بكثير. علما بأن مراقبين يرجحون أن تقوم سلطات تونس بتضخيم الرقم سعيا للحصول على تمويلات خارجية.

وحول هذا التضارب يقول الخبير الاقتصادي رضا الشكندالي للجزيرة نت إن البنك الدولي طلب من المعهد الوطني للإحصاء (حكومي) إعداد دراسة عن عدد الليبيين المقيمين والزائرين لتونس، يرتقب أن يبدأ في إنجازها بعد شهرين.

المصدر : الجزيرة