تصنف الولايات المتحدة حزب العمال الكردستاني منظمة إرهابية، إلا أنها لا ترى في وحدات حماية الشعب الكردية تنظيما إرهابيا، بل إن هذه الوحدات باتت -بنظر مراقبين أتراك- كأنها قوات برية تابعة لواشنطن، تمدها بالسلاح والعتاد لمحاربة تنظيم الدولة.

عامر لافي-إسطنبول

زادت انتقادات واشنطن لأنقرة بسبب قصفها القوات الكردية شمال سوريا، من توتر العلاقات التركية الأميركية المتوترة أصلا بسبب الخلاف حول موقف البلدين من حزب الاتحاد الديمقراطي وذراعه المسلحة وحدات حماية الشعب الكردية.

ففي حين طلبت الولايات المتحدة من تركيا "ضبط النفس" ووقف قصف مواقع الوحدات الكردية، اكتفت بحض الأكراد على عدم استغلال الوضع والسيطرة على أراض جديدة، وذلك عقب تزايد الغضب التركي من تقدم القوات الكردية إلى مطار منغ ومحيط مدينة إعزاز، وسيطرتها -بدعم من الطائرات الروسية- على مدينة تل رفعت إحدى أهم معاقل المعارضة السورية.

وقد دلت مواقف واشنطن هذه مجددا على حجم الخلاف بين البلدين بشأن الفصائل الكردية المسلحة. ففي وقت تعتبر فيه أنقرة حزب الاتحاد الديمقراطي وذراعه المسلحة وحدات حماية الشعب الكردية منظمة إرهابية وامتدادا لحزب العمال الكردستاني الناشط على أراضيها، تفضل واشنطن التفريق بينهما.

جان أجون: المواقف الجديدة لواشنطن سببها التغير الجذري لسياستها بسوريا (الجزيرة نت) 

فالولايات المتحدة وإن كانت تصنف حزب العمال الكردستاني منظمة إرهابية، فإنها لا ترى في وحدات حماية الشعب الكردية تنظيما إرهابيا، وهذا ما أكده المتحدث باسم الخارجية الأميركية جون كيربي.

بل إن هذه الوحدات باتت -بنظر مراقبين أتراك- كأنها قوات برية تابعة لواشنطن تمدها بالسلاح والعتاد علانية لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية، الأمر الذي أغضب أنقرة حتى إن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خيّر الولايات المتحدة في 10 فبراير/شباط الجاري بين تركيا وبين من وصفها بـ"المنظمات الإرهابية".

لا عذر
وجاء التفجير في قلب العاصمة أنقرة في 17 من الشهر الجاري -الذي أودى بحياة 28 مواطنا تركيا معظمهم من العسكريين- ليزيد من تعقيدات توتر العلاقة بين واشنطن وأنقرة التي اتهمت حزب الاتحاد الديمقراطي بالوقوف وراء هذا الهجوم.

تلا ذلك إعلان داود أوغلو أنه لا عذر لأي دولة عضو في حلف شمال الأطلسي (ناتو) وقفت تركيا إلى جانبها في أفغانستان، وعلى رأس هذه الدول الولايات المتحدة، أن تكون لها علاقات مع منظمة إرهابية تستهدف قلب تركيا وعاصمتها.

وزاد أن من يقدم الدعم بشكل مباشر أو غير مباشر إلى منظمة تعادي تركيا، لن يكون صديقا لبلاده "فلا يمكن غض الطرف عن التسامح مع منظمة إرهابية تهدد شعبنا في عاصمتنا".

فما الذي يجعل واشنطن على الرغم من ذلك تتمسك بمليشيات مسلحة على حساب علاقاتها بدولة كبيرة وحليف تاريخي طالما وصفته بالإستراتيجي، كتركيا؟

يرى الباحث في مركز الدراسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية (سيتا) جان أجون، أن السبب هو التغير الجذري في السياسة الأميركية في سوريا، وفي رؤيتها للحل هناك.

إيشن إلتشين لا تعتقد أن العلاقات ستصل إلى القطيعة (الجزيرة نت)

ومن وجهة نظر أجون، فإن إسقاط رئيس النظام السوري بشار الأسد لم يعد أساسا للحل بالنسبة لواشنطن، فهي تكتفي بتسوية سلمية تجمع النظام والمعارضة في إطار معين برعاية أميركية روسية، تضمن فيها كلتا الدولتين الحفاظ على مصالحهما، أما الأولوية فهي لمحاربة تنظيم الدولة، وبالنسبة لواشنطن لا يوجد على الأرض من يمكن الوثوق به لتنفيذ هذه المهمة سوى وحدات حماية الشعب الكردية.

وتعتقد واشنطن -وفقا للباحث- أن تركيا لن تغامر بقطع علاقاتها التاريخية معها مهما حصل، خصوصا أن أنقرة تعاني من توتر علاقاتها مع العديد من الدول الإقليمية في المنطقة.

حقائق جديدة
أما الصحفية الكاتبة أستاذة الإعلام في جامعة بيلغي، يشن إلتشين، فتتفق في أن سبب تمسك واشنطن بوحدات حماية الشعب الكردية هو أنها غيّرت سياستها تجاه سوريا، لكنها ترى أن دخول روسيا على الخط أوجد حقائق جديدة على الأرض، فإسقاط الأسد عسكريا على يد فصائل المعارضة المسلحة لم يعد أمرا واقعيا.

لكن يبقى التساؤل الأكثر إلحاحا هو إلى أي مدى يمكن أن يصل مستوى الخلاف بين الحليفين التاريخيين؟

يرى أجون أن هذا يعتمد على حقيقة الخطة المستقبلية لواشنطن، فإذا كانت علاقتها بحزب الاتحاد الديمقراطي تكتيكية مؤقتة لتحقيق مكاسب معينة فلن يؤثر ذلك على العلاقة مع أنقرة التي يمكن ترميمها في فترة قصيرة، لكن إذا كانت العلاقة إستراتيجية، أي بهدف خلق دولة عرقية صغيرة على حدودنا، فإن العلاقة ستسوء وقد تصل إلى درجة كبيرة من التردي.

أما إلتشين فهي لا تعتقد أبدا أن تصل العلاقة إلى مرحلة القطيعة، لكنها تؤكد أن تمسك واشنطن بأكراد سوريا سيكون بمثابة ضربة كبيرة لهذه العلاقة التاريخية، لأنه سيزعزع الثقة بين الحليفين.

وتستبعد إلتشين أن يحدث أي تغير في رؤية الإدارة الأميركية بخصوص سوريا قريبا، خصوصا أن السياسة الأميركية دخلت في مرحلة الجمود مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الأميركية في نوفمبر/تشرين الثاني القادم.

المصدر : الجزيرة