حسن الحاف-بيروت

يرى طارق متري المبعوث السابق لأمين عام الأمم المتحدة إلى ليبيا أن تسوية حكومة الوفاق الوطني التي رعتها المنظمة الدولية مردها أن "ليبيا في حالة حرب منذ صيف 2014، ولا يمكن لهذا الوضع أن يستمر، فانزلاق ليبيا نحو مزيد من الفوضى والعنف يتطلب مسعى لبناء تسوية.

ويلفت متري -الذي يشغل منصب مدير مركز عصام فارس في الجامعة الأميركية في بيروت- إلى أن الموضوع الأساسي ليس تشكيل الحكومة بقدر ما هو برنامجها وقدرتها على الحكم.

وفي حوار مع الجزيرة نت، أكد الوزير السابق في عدة حكومات لبنانية أن على الحكومة الليبية الجديدة كي تضطلع بالحد الأدنى من مهامها أن تمسك بزمام المؤسسات الثلاث الرئيسية بالبلاد: المصرف المركزي والشركة الوطنية للنفط والهيئة الليبية للاستثمار. وهي المؤسسات الثلاث التي بيدها مصير الاقتصاد المهدد أصلا.

وفي ما يلي نص الحوار:

 كيف تنظرون إلى إعلان المجلس الرئاسي تشكيل حكومة الوفاق الوطني؟

تأليف الحكومة جاء نتيجة تسوية سياسية. وكل تسوية، كما هو معلوم ليس بالضرورة أن يكون هناك إجماع حولها. لكن من المعقول أن تحظى الحكومة بنيل ثقة فئات واسعة من الليبيين الذين يريدون وضع حد لحالة الفوضى والتقهقر التي تعيشها ليبيا.

وفي ما يتعدى نيل الحكومة ثقة مجلس النواب في طبرق، أجد أن الموضوع الأساسي ليس تأليف الحكومة بقدر ما هو برنامجها وقدرتها على الحكم. هنا المسائل غير واضحة.

فهل هذه الحكومة ستحكم في طرابلس؟ وإذا حكمت في طرابلس هل ستكون لها ذراع عسكرية وأمنية؟ هل ستستعين بالمجتمع الدولي وما صيغة الدعم الذي سيقدمه لها المجتمع الدولي؟ وما هي أولوياتها؟

إذا كانت أولوياتها محاربة الإرهاب وهذا مرجح، فهل ستميز بين تنظيم الدولة الإسلامية وبين غيره من الإسلاميين، خصوصاً أن برلمان طبرق أصدر مرةً قراراً اعتبر فيه "فجر ليبيا" منظمة إرهابية؟

في كل الأحوال، الإجابات عن هذه الأسئلة ستحدد مستقبل ليبيا.

  في ظل الصراع الميداني والسلطوي، وفي ظل موازين القوى القائمة، هل تستطيع الحكومة أن تحكم؟  

ليبيا بحاجة لإعادة النظر بنظامها السياسي والإداري من أجل فاعلية أكبر ومن أجل التجاوب مع مطلب الشرق. وأي حكومة مستقبلية مضطرة لإعادة النظر بمركزية النظام الليبي الحالي

إذا نجحت الحكومة في الذهاب لطرابلس فإنها تستطيع تأمين الحد الأدنى من الحماية، وعليها أيضاً أن تمسك بالمؤسسات الثلاث الرئيسية لحكم ليبيا: المصرف المركزي والشركة الوطنية للنفط والهيئة الليبية للاستثمار. وهي المؤسسات الثلاث التي بيدها مصير الاقتصاد المهدد.

لكن برغم ذلك، وحتى لو رجعت الحكومة إلى طرابلس وأُمنت لها الحماية من نتف الجيش والشرطة أو من بعض الجماعات المسلحة التي قد تتطوع لحمايتها أو من قوات أجنبية (وهذا غير مرجح في نظري)، فإنها ربما تنجح في ممارسة بعض وظائفها، لكن أن تصبح قادرة على حكم ليبيا برمتها فهذا أمر صعب جداً، فليبيا باتت بلداً مهدداً بالتفكك.

طبعاً، لا أرى أن ليبيا ستقسّم لكن وحدتها السياسية ليست في ذاتها ضامنة لوحدة الأراضي الليبية. فالأخيرة خاضعة لقوى أمر واقع متعددة، وإخضاع كل ليبيا لسلطة الحكومة المركزية عملية ستأخذ وقتاً طويلاً. 

 إذن، هل ترى أن لا مستقبل للسلطة المركزية في ليبيا؟

هذه المسألة بالغة الأهمية، فالنظام الليبي السياسي والإداري شديد المركزية وليبيا في حاجة لإعادة النظر بنظامها السياسي والإداري من أجل فاعلية أكبر ومن أجل التجاوب مع مطلب الشرق. وأي حكومة مستقبلية مضطرة لإعادة النظر بمركزية النظام الليبي الحالي لأن الواقع يفرض ذلك. 

 لماذا تدفع الأمم المتحدة لتشكيل هذه الحكومة؟

الأمم المتحدة من جهة والدول الغربية من جهة ثانية مارست ضغطاً كبيراً على الليبيين من أجل الوصول إلى الاتفاق. المبعوثان الأخيران اللذان أتيا من بعدي أوحيا من خلال بعض تصرفاتهما بأنهما فرضا الاتفاق وهذا غير صحيح. واقع الحال أنهما رعيا وسهلا وتدخلا حيث أمكن وضغطا كثيراً واستندا إلى ضغط الدول الغربية.

لماذا قاما بذلك؟ لأن ليبيا في حالة حرب منذ صيف 2014، ولا يمكن لهذا الوضع أن يستمر. فانزلاق ليبيا نحو مزيد من الفوضى والعنف يتطلب مسعى لبناء تسوية. والتسوية دائماً أفضل من اللا تسوية. وعلى كل حال، الحوار السياسي في سبيل الاتفاق على أولويات وطنية بدأ أيّام كنت أنا مبعوثاً، وذلك من أجل الوصول إلى إرادة سياسية جامعة تضغط من أجل التسوية. المستغرب في رأيي عدم قيام مبعوثي الأمم المتحدة بدور الوسيط من أجل التسوية، لا قيامهم بذلك.

من جهة ثانية، هناك ليبيون يقولون إن المبعوث الدولي حاول فرض الاتفاق وهدد بعواقب في حال عدم الأخذ به، لكن وراء هذا الكلام عدم رضا عن الاتفاق وعن التشكيلة الحكومية. غالبية هؤلاء من الذين أقصوا عن التشكيلة، وهذا أمر طبيعي. ففي كل تسوية هناك أطراف غير راضية. 

 ما رأيكم في الكلام القائل إن دعم الغرب لتشكيل حكومة الوفاق الوطني سببه نية هذه الحكومة إعطاء الغرب الضوء الأخضر للتدخل ضد تنظيم الدولة الإسلامية؟

العملية الجوية ضد تنظيم الدولة تحتمل أن تكون محدودة الفاعلية في القضاء عليه، لكنها من جهة ثانية، قد تعمق الانقسام الليبي، خصوصاً إذا رافق العمليات العسكرية من الجو تقدم بري لقوات مسلحة ليبية

كثيرون يسوقون هذا الافتراض. لكن إذا كان الهدف فعلاً طلب تدخل عسكري غربي لمحاربة تنظيم الدولة أو تدخل عسكري يتذرع بالتنظيم ويكون هدفه أبعد. إذا كان هذا هو الهدف فعلاً تكون التسوية غير ناجحة، وتكون مشاكل ليبيا قد ازدادت بدل معالجتها.

فلا شيء يقسم الليبيين أكثر من التدخل الخارجي. والتدخل الخارجي يهدد الإجماع ضد التطرف القائم في الشرق والغرب. فهو قد يبتدئ ضد تنظيم الدولة الإسلامية لكنه ربما يتحول لضرب غيره.

فإذا كان مجلس الأمن يحصر المنظمات الإرهابية بثلاث: تنظيم الدولة والقاعدة وأنصار الشريعة، فإن هناك جماعات في طبرق تعتبر كل التشكيلات الإسلامية منظمات إرهابية.

فهل تستهدف العملية العسكرية هذه المنظمات الثلاث؟ وهل تعزل بقية الإسلاميين عن الإرهابيين؟ أو تأخذ هذا بجريرة ذاك؟

بهذا المعنى، العملية الجوية ضد تنظيم الدولة تحتمل أن تكون محدودة الفاعلية في القضاء عليه، لكنها من جهة ثانية قد تعمق الانقسام الليبي، خصوصاً إذا رافق العمليات العسكرية من الجو تقدم بري لقوات مسلحة ليبية، فالقوات الليبية قد تكون لها أهداف سياسية غير محاربة تنظيم الدولة.

 هل التسوية ترف سياسي مقارنة مع ما يجري على الأرض؟ وما رأيك باتفاق الصخيرات؟

التسوية قد تسلك مسارين. أنا كنت أعمل على جمع القوى السياسية والقوى المسلحة، ومحاولة الحصول منها على تعهد بعدم اللجوء إلى استخدام القوة لحسم الخلافات السياسية، وتغليب التوافق على بناء الدولة، وذلك في مسار قد يمتد لسنة أو سنتين.

لكن من جاء بعدي أتى بظروف مختلفة. فقد جاء بعد الانفجار. وبات الاعتقاد السائد أن لا وقف لإطلاق النار أو للانزلاق نحو الفوضى إلا باتفاق سياسي شامل تنبثق منه شرعية سياسية جديدة. فلسفة الاتفاق السياسي أنه منشئ لشرعية جديدة ممثلة بالحكومة الجديدة.

وبالنسبة لي أرى أن أي اتفاق لا يتدارك مشاكل إدارة المرحلة الانتقالية، ويعتمد وصفة الانتخابات ثم دستور جديد ثم انتخابات جديدة، من دون أن يتصدى لمشكلة غياب المؤسسات وضعف الدولة والوصول إلى إرادة سياسية جامعة لبناء هذه الدولة، فضلاً عن موضوع العدالة الانتقالية، فإنه محكوم (عليه) بعدم تحقيق أهدافه بالشكل المطلوب.   

 هل ترى نهاية قريبة للأزمة، أم أن البلاد دخلت في حرب أهلية طويلة الأمد، وذلك انطلاقاً من خبرتكم بالعمل مع الفرقاء الليبيين؟

أحد مفاتيح الوصول إلى حلول مستدامة يكمن في مواجهة إرث الاستبداد، خصوصاً عبر الإصلاح الديني والاستجابة لمتطلبات العدالة الانتقالية، وزيادة الثقة بين المواطنين. فأنظمة الاستبداد تقوم على الوشاية وهو نهج لا يزال قائماً في ليبيا اليوم

في طرابلس (الأمر) ممكن، أما بنغازي فوضعها أصعب. فهناك حرب لا هوادة فيها بين الجنرال خليفة حفتر وخصومه، كما أن الحكومة الجديدة لديها مشكلة معه أيضاً، وهو ماض في معركته ضد الإسلاميين. بتعبير أدق، الأمن لن يستتب في بنغازي قريبا لكنه ممكن في طرابلس.

بالنسبة لي، كنت أتحاشى استخدام مصطلح الحرب الأهلية، كنت دائماً أقول لليبيين إذا استمريتم هكذا ستدخل ليبيا الحرب الأهلية.

في كل الأحوال، أرى أن الصراعات المسلحة في ليبيا ستستمر طالما لا سلطة قادرة على فرض النظام والأمن، وطالما لا وجود لجيش ولا لشرطة. هناك أكثر أو أقل قليلاً من 250 ألف مسلح، وضعف الدولة من جهة وانتشار السلاح والمسلحين من جهة ثانية يخلق وضعاً يجدد الصراعات.  

 هل تعتقد أن إقرار قانون العزل السياسي أسهم في الوصول إلى الحالة التي وصلت إليها البلاد؟

قانون العزل، لحظة إقراره زاد الشرخ بين القوى السياسية وكان محطة مهمة على طريق تعميق الانقسام. وكنت دائماً أحذر من عواقب إقراره، مشبهاً إياه بقانون اجتثاث البعث الذي أقر في العراق وجرى بعده ما جرى. وقد فرضته كتائب الثوار على القوى السياسية التي بعكس ما هو شائع، فإن العلاقة بينها وبين المسلحين علاقة مزدوجة وليس واضحاً من يستخدم من.

على كل، اليوم لم يعد قانون العزل الموضوع الخلافي الرئيسي، فقد تكاثرت المسائل الخلافية.

 كيف تصف دور الغرب وتحديداً الدول التي لها تاريخياً نفوذ في ليبيا؟

تاريخياً، الفرنسيون لديهم اهتمام بالجنوب فيما اهتمام الإيطاليين بالغرب. لكن إيطاليا اليوم هي أكثر بلد لديه مصالح مع ليبيا، خصوصاً لناحية اعتمادها على ليبيا في النفط والغاز ولناحية تأثرها بالهجرة غير الشرعية والإرهاب. الإيطاليون الأشد حماسة للتصدي لمشكلات ليبيا الحالية. أما الفرنسيون فأكثر تحفظاً رغم اهتمامهم بالجنوب.  

 ماذا عن النفط؟ من يسيطر عليه؟ وكيف توزع عائداته؟

لا بد من إدارة أفضل للعملية الانتقالية كأحد مفاتيح الوصول إلى حلول مستدامة. فباستثناء تونس، بدأ الصراع على السلطة قبل بناء الدولة، خصوصاً أن استعجال الانتخابات يزيد المجتمعات المفككة تفككاً.

إنتاج النفط وتصديره يتم من الشرق، حيث تسيطر على الموانئ والمنشآت النفطية قوى مسلحة من الشرق. لكن العائد المالي يذهب إلى الغرب، وبالتحديد إلى شركة النفط التي مقرها طرابلس.

غير أن عائدات النفط انخفضت عما كانت عليه عام 2014 بحوالي ستة أو سبعة أضعاف، كما انخفض الإنتاج إلى حوالي 400 ألف برميل من أصل 1.5 مليون سابقاً. وكان سعر البرميل فوق مئة دولار واليوم بات حوالي 30 دولاراً. علماً بأن ليبيا تعتمد بصورة كلية على النفط  والغاز، وهذا ضعف كبير في الاقتصاد الوطني. كذلك الأمر بالنسبة إلى الدينار، فقد كان الدينار يساوي 80 سنتاً وبات اليوم 30 سنتاً. 

أمّا العائدات فتوزع منذ أيام معمر القذافي حتى اليوم كمرتبات على العاملين في القطاع العام، الذين يشكلون حوالي 80% من القوة العاملة الليبية، والتي بغالبيتها العظمى لا تداوم ولا تتولى وظائف فعلية. كما توزع العائدات أيضاً في صورة دعم للسلع الأساسية كالسكر والأرز والزيت ومشتقات النفط، مما يعزز التهريب نحو تونس والجزائر وتشاد والسودان والنيجر.

تسدد الدولة الرواتب بالدينار ولا تزال قادرة على ذلك، لكن إذا استمر سعر النفط على ما هو عليه لا أعتقد أنها قادرة على الاستمرار في السداد أكثر من سنتين أو ثلاث. فمستقبل ليبيا الاقتصادي صعب.  

 بناء على تجربتك في ليبيا، لماذا لم نرَ نجاحاً في الوصول إلى حلول مستدامة في غالبية دول الثورات؟

مفاتيح الوصول إلى حلول مستدامة ثلاثة في رأيي:

أولاً التصدي للمشكلات البنيوية في المجتمعات التي انفجرت مرة واحدة، خصوصاً لناحية التناقضات بين الأرياف والمدن والإثنيات والعصبيات المكبوتة ما دون الوطنية. فحكومات ما بعد الثورات لا تستطيع التصرف على أساس أنها تدير مجتمعات منسجمة.

ثانياً مواجهة إرث الاستبداد، خصوصاً عبر الإصلاح الديني والاستجابة لمتطلبات العدالة الانتقالية، وزيادة الثقة بين المواطنين. فأنظمة الاستبداد تقوم على الوشاية وهو نهج لا يزال قائماً في ليبيا اليوم. وقوانين العزل لا تضع حداً لإرث الاستبداد.

ثالثاً إدارة أفضل للعملية الانتقالية، وذلك عبر إعطاء الأولوية لإعادة اللحمة لمجتمعاتنا وتغليب الانتماء الوطني على العصبيات ما دون الوطنية، وصولاً إلى بناء الدولة. فباستثناء تونس، بدأ الصراع على السلطة قبل بناء الدولة، خصوصاً أن استعجال الانتخابات يزيد المجتمعات المفككة تفككاً.

المصدر : الجزيرة