بينما يشتد النقاش داخل الأوساط السياسية الأميركية بشأن مدى التدخل العسكري بليبيا، يحذر المسؤولون العسكريون من تحول هذا البلد إلى بؤرة تدفق للمقاتلين الأجانب، ولا سيما من دول شمال أفريقيا، في ظل الضربات التي يتلقاها تنظيم الدولة في العراق وسوريا.

محمد الأحمد-واشنطن

أعلنت الولايات المتحدة الجمعة أن طائرات حربية أميركية شنت غارات على أهداف تابعة لتنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا، من بينها معسكر تدريب وقيادي بارز في التنظيم.

ومع أن هذه الضربات تعد أحدث حلقة في عمليات عسكرية أميركية مماثلة بدأت منذ أشهر، فإنها تؤشر في الوقت ذاته إلى تنامي القلق الأميركي الغربي من التقدم الذي يحققه التنظيم في ليبيا، والخطر الذي يشكله ذلك على الغرب والدول المجاورة على حد سواء.

وأكدت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) أن ضربات جوية استهدفت معسكر تدريب لتنظيم الدولة الإسلامية في مدينة صبراتة الساحلية غرب العاصمة طرابلس فجر الجمعة، كما استهدفت القيادي التونسي في التنظيم نور الدين شوشان الذي تتهمه تونس بالمسؤولية عن هجومين على أراضيها العام الماضي، بالإضافة إلى دوره في استقطاب المقاتلين الأجانب إلى ليبيا.

وكانت صحيفة واشنطن بوست الأميركية قد أشارت في وقت سابق هذا الشهر، إلى أن الرئيس الأميركي باراك أوباما يواجه ضغوطا متزايدة من طرف مستشاريه للأمن القومي -بمن فيهم القادة العسكريون- للانخراط بشكل أكبر في ليبيا بهدف مواجهة التهديد القادم من هناك.

وبينما قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية مارك تونر -الجمعة- إن هذه الضربات "تتسق مع التعهدات التي أطلقتها إدارة أوباما باستئصال قادة تنظيم الدولة في ليبيا وقواعده عبر العالم"، فإنه شدد على أنها لا تعني فتح "جبهة جديدة".

أوباما يواجه ضغوطا متزايدة من طرف مستشاريه للأمن القومي للانخراط بشكل أكبر في ليبيا (الجزيرة)

أما البيت الأبيض، فقد أشار إلى أن الولايات المتحدة ستواصل شن ضربات مماثلة بهدف "حماية مصالحنا وأمننا القومي من أي تهديدات محتملة"، مع التأكيد بأن هذا الاستمرار سيكون مرتبطا بتشكيل "حكومة ليبية قادرة على ضبط الأمن في البلاد".

ترحيب جمهوري
ورحب الجمهوريون -الذين ظلوا ينتقدون إستراتيجية الرئيس أوباما في الحرب على الإرهاب- بالغارات الجوية، وقال رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس النواب الجمهوري ديفن نانز إنه "لا يمكن مجابهة الخطر الذي يشكله تنظيم الدولة الإسلامية من دون مواجهة خطر هذا التنظيم في ليبيا".

وأضاف "نطمح إلى أن تؤدي هذه الغارات إلى بداية التزام جديد من طرف إدارة أوباما بوضع ليبيا في صلب الإستراتيجية الشاملة لدحر الجهاد العالمي".

غير أن الجانب الديمقراطي لا يبدو متحمسا كثيرا لفتح مثل هذه الجبهة، إذ عبر عدد من الديمقراطيين عن قلقهم من أن يكون ذلك بداية تعهد طويل الأمد في هذا البلد، في غياب نقاش عام حول هذه القضية.

وفي تغريدة لها عبر تويتر، قالت النائبة الديمقراطية في مجلس النواب باربارا لي إن "الغارات في ليبيا تنذر بجبهة جديدة في حرب دون نهاية"، وإن "على الكونغرس مناقشة هذه الحروب المكلفة والدموية".

وبينما يشتد النقاش داخل الأوساط السياسية الأميركية حول مدى التدخل العسكري في ليبيا، يحذر المسؤولون العسكريون من تحول هذا البلد إلى بؤرة تدفق للمقاتلين الأجانب، ولا سيما من دول شمال أفريقيا، في ظل الضربات التي يتلقاها التنظيم في العراق وسوريا.

ويقدر البنتاغون أعداد المقاتلين هناك بحوالي 6500 عنصر، وهو ما يشكل ضعف عدد تقديرات خبراء حكوميين العام الماضي.

بيتر كوك (يسار): هذه الضربة تهدف إلى صدّ التهديد الذي يشكله تنامي نفوذ تنظيم الدولة على الغرب (أسوشيتد برس)

رسالة سياسية
ويرى كبير الباحثين في المجلس الأطلسي بالعاصمة واشنطن حافظ الغويل، أن "الإعلان عن هذه العملية يحمل رسالة سياسية إلى الفرقاء الليبيين، بضرورة التسريع بتشكيل حكومة وحدة وطنية قادرة على العمل مع المجتمع الدولي في قضايا أبرزها الإرهاب والهجرة غير النظامية".

وقال للجزيرة نت "إن الولايات المتحدة -عبر ضرباتها العسكرية- تحاول إيصال رسالتين للمتخاصمين في طبرق وطرابلس بشأن حجم القوة الأميركية إذا ما قررت واشنطن التدخل بشكل أكبر"، وهي إشارة يقول الغويل إنها موجهة بالأساس للواء المتقاعد خليفة حفتر الذي يقود عملية عسكرية في الشرق الليبي.

غير أن الغويل أوضح أن إدارة أوباما لن تنجر إلى دعوات الجمهوريين بتكرار سيناريو "القوات البرية على الأرض"، وأن البيت الأبيض بالمقابل سيتبع سياسة احتواء الخطر الليبي عبر الضربات الجوية والعمليات الخاصة.

وفي الوقت الذي أكد فيه المتحدث باسم البنتاغون بيتر كوك أن هذه الضربة تهدف إلى صد التهديد الذي يشكله تنامي نفوذ تنظيم الدولة على الغرب، قال إن "هذه التهديدات تستهدف أيضا الدول المجاورة" وفي مقدمتها تونس التي يراهن عليها الغرب كنموذج ديمقراطي أطلق شرارة الربيع العربي.

ويخشى مسؤولون عسكريون واستخباريون أميركيون أن يؤدي التقدم السريع لتنظيم الدولة في ليبيا إلى موجة جديدة من الهجمات الإرهابية التي قد تستهدف على الأخص تونس المجاورة، التي تعهدت إدارة أوباما بدعم تجربتها الديمقراطية.

المصدر : الجزيرة