بيّن بحث أنجزه اثنا عشر باحثا جامعيا بفرنسا أن اللغة العربية -التي تعد ثاني لغة منطوقة بفرنسا- عرضة لإهمال مؤسف، وأن هذا الإهمال يرسخ لدى المواطنين الفرنسيين من أصول عربية الاحتقار ويثبط عزيمتهم على الاندماج الجيّد بالمجتمع الفرنسي.

سعيد نمسي-باريس

في قرار أثار استياء في الأوساط العربية والتركية، منع عمدة مدينة ميغان الفرنسية فرانسوا بوشير تدريس اللغتين العربية والتركية في المدارس الحكومية بمدينته ليحرم بذلك أكثر من تسعين تلميذا من أصول مهاجرة من تعلم لغاتهم ضمن نظام يسمى نظام "تعلم اللغات الأصلية"، الذي تتكفل به ماليا ولوجستيا تسعة دول عربية وتركيا.

ورفض عمدة هذه المدينة -الواقعة وسط فرنسا ويقطنها سبعة آلاف نسمة- اعتبار قراره توقيفا للدروس وقال إنه يسعى لإجبار مديرية التعليم على توفير الأمن للأقسام التي تقدم هذه الدروس بعد ظهر يومي الأربعاء والخميس من كل أسبوع خارج البرنامج الرسمي.

وذكر بوشير في تصريح للجزيرة نت أن الحكومة حذرت العُمد من إمكانية تعرض المدارس لهجمات "إرهابية"، مؤكدا أنه لا ينزعج من تعلم التلاميذ لغاتهم الأصلية.

مدرسة تحضيرية فرنسية بشعارها الثلاثي "حرية مساواة أخوة" (الجزيرة)

قرار مرفوض
وأثار قرار بوشير غضبا لدى الجاليات العربية والتركية بالمنطقة، وقال مسؤول في الجمعية الثقافية والرياضية التركية بالمدينة فاروق بييك لصحيفة محلية "أشعر بالقرف هذه المرة، لأنه تم الربط بين التهديد الإرهابي وبين الثقافة العربية والتركية".

من جهته رفض رئيس المقاطعة في بيان له هذا القرار، مؤكدا أنه ليس من صلاحيات العمدة، وأنه لم يثر على الإطلاق مسألة وقف أي نشاط مدرسي أو شبه مدرسي لأسباب أمنية، مشيرا إلى أن مفتشية التعليم راسلت العمدة مرتين لتبلغه برفضها هذا القرار.

من جانبه، عبر الصحفي باسكال حيلوت للجزيرة نت عن ترحيبه بهذا القرار لأنه يساعد التلاميذ على التركيز على تعلم الفرنسية مما يسهل اندماجهم في المجتمع الفرنسي، على حد قوله، و"لأن اللغة العربية مفخخة بالثقافة الدينية وتجر متعلميها إلى ثقافة مختلفة معادية للغرب، وتدفع بهم إلى الإرهاب"، وفق رأيه.

وقال منسق التجمع ضد الإسلاموفوبيا في فرنسا ياسر لواتي من جانبه للجزيرة نت إن هذا القرار ينمّ عن عنصرية يراد منها منع الأطفال من أصول عربية وإسلامية من إثراء شخصياتهم. وهو يشكل قدحا في المسلمين ودعوة لتهميشهم.

وأشار إلى أنه بعد قضية وجبات الأكل الحلال في المدارس، يجري اتهام اللغتين العربية والتركية بالإرهاب، مشددا على أن المدارس الفرنسية مؤمّنة خلافا لما يقول عمدة ميجان.

من جهته، قال محمد الزاوي -وهو صحفي ومخرج أنجز وثائقيا عن تعليم اللغة العربية بفرنسا- للجزيرة نت إن الدروس المؤطرة من السلطات الفرنسية والتي تطلبها العائلات لأبنائها، لم تتسبب في الإخلال بالنظام العام، بل تساهم في إزالة العقد النفسية عن التلاميذ.

وأشار الزاوي إلى أن عمدة ميغان اتخذ قراره بمنع تدريس العربية والتركية في سياق مزايدات لأسباب انتخابية.

 وزيرة التربية الفرنسية أصرت على إصدار قرار لتدريس اللغات خارج الأوقات الرسمية (الأوروبية)

تقصير وتحذيرات
وحسب بحث أنجزه اثنا عشر باحثا جامعيا ونشره الموقع الإلكتروني المستقل "أوريان 21" فإن اللغة العربية -التي تعد ثاني لغة منطوقة في فرنسا- عرضة لإهمال مؤسف.

ونبّه هؤلاء السلطات الفرنسية إلى خطورة الوضع في هذا المجال، مشيرين إلى أن هناك تسعة آلاف تلميذ فقط في مرحلة التعليم الثانوي في فرنسا يدرسون اللغة العربية من بين خمسة ملايين تلميذ، وأضافوا أن هذا الإهمال يرسخ في المواطنين الفرنسيين من أصول عربية الاحتقار ويثبط عزيمتهم على الاندماج الجيد في المجتمع الفرنسي.

ورغم هذه التحذيرات تتمسك السلطات الفرنسية بتوجّهٍ مختلف حيث قررت وزيرة التربية الوطنية نجاة فالو بلقاسم -وفق ما أوردته صحيفة لوموند- وضع نظام جديد يسمى "الأقسام الدولية" تدرس فيها اللغات خارج الأوقات الرسمية.

ويأتي هذا النظام الجديد الذي لم توضح بعدُ ملامحه، لتعويض نظام تعليم اللغات الأصلية لأن هذا الأخير "لا يقدم تعليما نوعيا ويجعل التلاميذ منغلقين على هوياتهم"، وفق ما أوردته لوزارة التربية الفرنسية.

المصدر : الجزيرة