لم يكن يعلم الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل أن "السفر في الغروب" -وهو اصطلاح كان يطلقه على الموت- سيكون بحضور باهت. البعض يرى أن مواقفه الأخيرة من الأزمة السورية والانقلاب في مصر منعت الكثيرين من حضور الجنازة والصلاة عليه.

عبد الله حامد-القاهرة

رحل الكاتب الصحفي المصري المعروف محمد حسنين هيكل عن الحياة، بعد معاناة قصيرة مع المرض. ومنذ نحو عشر سنوات كان قد استأذن في الرحيل من الحياة العامة، لكنه عاد إليها بحيوية.

كان يسمي الموت "سفرا في الغروب"، عندما يتحدث في وداع زملائه، ذاكرا الراحلين بفعل المضارع.

اكتفى هيكل من التعليم الإلزامي بشهادة متوسطة هي "دبلوم الثانوية التجارية"، غير أن معارفه الواسعة واطلاعه العميق، وإجادته عددا من اللغات، جعله محط اهتمام وسائل الإعلام في العالم.

وهو يزور مقر إحدى كبريات الصحف البريطانية، طلب منه أحد محرريها أن يراجع معه نص كلمة التأبين المعدة مسبقا للنشر بالإنجليزية عقب وفاته شخصيا، نظر هيكل للورقة بمشاعر محايدة -كما وصف ذلك في كلمته بوداع زميله الكاتب محمد سيد أحمد- ثم انتهى إلى قناعة معلنة بأن "الموت جزء من الحياة".

قلة المشيعين
ربما لم يدر في خلد هيكل -وورقة نعيه بين يديه حينئذ- أنه لن يجد كثيرين من مريديه ليصلوا عليه في مسجد الحسين، فبقي في وداع نعشه لمثواه الأخير "دراويش" مسجد الحسين القريب من الجمالية حيث ولد منذ 93 عاما.

"مشهد الجنازة على عكس ما توقعناه"، هكذا هتف مصور إحدى الفضائيات وهو يجول بالكاميرا حول المسجد أثناء خروج الجثمان، بحثا عن وجوه معروفة يصورها.

وقال المصور الصحفي سالم يسري للجزيرة نت "الشخصيات العامة التي حضرت للصلاة عليه قليلة، رغم أنه كان هناك وقت كاف، فقد وصل الجثمان قبل صلاة العصر بنحو ساعة وتم تشييعه للمدافن عقب صلاة العصر مباشرة".

ورصدت الجزيرة نت حضور كل من الإعلاميين: عبد الله السناوي ومحاورة الراحل الدائمة لميس الحديدي، ومن السياسيين وزير الشباب ومحافظ القاهرة والوزير السابق منير عبد النور، ولم يلاحظ وجود أي من الشخصيات العسكرية الحاليين أو المتقاعدين. وتحلق خلق كثير حول الشخصيات القليلة، كان معظمهم ممن يسمون بـ"دراويش الحسين".

الكاتب الصحفي هيكل توفي أمس بعد صراع قصيرة مع المرض (رويترز)

هيكل والسلطة
ومقارنة بمشاهد وداع شخصيات عامة أخرى أقل شهرة، شهدت جنازة الحقوقي أحمد سيف الإسلام عبد الفتاح -المعارض للسلطة الحالية- حضورا كثيفا من السياسيين والنشطاء، وأجبرت الضغوط في مواقع التواصل الاجتماعي السلطة على إخراج ابنه الناشط علاء من سجنه على ذمة قضية تظاهر، لوداع والده. بينما لم يتمكن حسن هيكل رجل الأعمال نجل الكاتب الراحل، من وداع والده خوفا من التوقيف بسبب اتهامات بقضايا فساد، فيما ترددت أنباء عن السماح له بتلقي عزائه استثنائيا اليوم، كما حدث في عزاء والدة الإعلامي الهارب عماد أديب الصادر بحقه أحكام قضائية.

وقال الصحفي مصطفى بكري الذي كان مقربا من الراحل في تصريحات صحفية على هامش تشييع الجنازة، إن "الرئيس عبد الفتاح السيسي كان دائم الاطمئنان هاتفيا على الفقيد مؤخرا، وأوصى بحسن رعايته، نظرا لدوره الوطني وقربه منه ككاتبه المفضل".

أما الحقوقي خالد منصور، فقال للجزيرة نت "أعجبني فيه حرصه على متابعة التطورات، ففي آخر مرة زرته فيها بمكتبه مع صديق، وجدت عنده تقرير الأمم المتحدة الأخير عن سوريا، وكان أفضل له لو لم يواصل اتحافنا بـ"الكليشيهات" البراقة الخادعة التي تجهّل أكثر مما تعلم، من عينة "مرشح الضرورة" في وصف السيسي أو "سلطة شاخت في مقاعدها" في وصف الرئيس المخلوع حسني مبارك، فهو كان دائما مشغولا بالفرد ودوره لا بالمؤسسات".

ورأى مؤسس حركة قوميون ضد الانقلاب الصحفي سيد أمين أن كثيرين غيروا وجهة نظرهم في هيكل، مضيفا "منهم أنا، فمواقفه الأخيرة ليست جيدة وخاصة تأييده للانقلاب العسكري ووصفه للسيسي بأنه رئيس الضرورة".

وأعرب عن يقينه في أن الأمن كان يمكن أن يحشد كثيرين لحضور الجنازة لو أراد، غير أنه ربما منعتهم بعض آرائه السلبية الأخيرة بشأن أداء النظام، وما تكشف أيضا عن ثروات وفساد ابنه والتصاق كثير من الفاسدين به، مما جعل الكثيرين يحجمون عن الحضور، بحسب رأيه.

المصدر : الجزيرة