في الوقت الذي يعيش فيه الوطن العربي ظروفا أمنية صعبة ومعقدة، وتحفه مشاريع إقليمية في إسرائيل وإيران وتركيا، ويغيب المشروع الذي يوحد العرب، تبرز السعودية قائدا في المنطقة في حين تغيب قيادة مصر التقليدية بعد انقلاب السيسي وتتسم مواقفها بالغموض.

سيدي محمود الهلال


اتسمت مواقف مصر بعد انقلاب يوليو/تموز 2013 من الغليان الذي يشهده العالم العربي بنوع من الغموض، تجلى في برود دعمها للسعودية في اليمن وانتقادها الضمني للحل العسكري في سوريا، إضافة إلى دورها في ليبيا.

وقد بدا أن مصر تحركت في السنتين الأخيرتين تحركات لافتة، منها زيارات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي المتكررة لروسيا وابتعاده نسبيا في الفترة الأخيرة عن مواقف المملكة العربية السعودية التي ظلت قريبة من مصر لعدة عقود.

غير أن تفسير هذه التحركات يبقى أمرا صعبا بسبب التصريحات المتضاربة والتلميحات المختلفة التي تصاحبها، بل وعدم الاعتراف صراحة بأي  تغيير في السياسة إلا في حدود ضيقة.

ومن أصرح المواقف التي تظهر الاختلاف بين مصر والسعودية ما قاله وزير الخارجية المصري سامح شكري أمس من أن الحل العسكري في سوريا أثبت خلال السنوات الماضية عدم جدواه، وأن الحلول السلمية هي المثلى، بعد أن أعلنت السعودية تدخلها العسكري هناك.

وقبل وزير الخارجية الحالي، أشار وزير الخارجية المصري السابق نبيل فهمي إلى وجود ما وصفه بأنه اختلافات بين مصر والسعودية وليس خلافات، حسب تعبيره، وذلك بعد اعترافه بأن مصر رفضت الاستجابة لطلب سعودي بإرسال قوات برية إلى اليمن.

السيسي أبدى التزامه بأمن دول الخليج قبل أن يرفض المشاركة البرية في اليمن (الجزيرة)

أين "مسافة السكة"؟
وقد رأى محللون في المواقف المصرية الأخيرة نوعا من التقاعس عن دعم السعودية التي كانت تدعمها دائما، بل والتقاعس عموما عن التزامات مصر التقليدية تجاه الأمن القومي العربي الذي هو في الأصل جزء من أمنها الوطني.

وسوقت الخارجية المصرية لعدم تماشيها مع عزم الرياض التدخل بريا في سوريا، بأنها تفضل أن يزاح بشار الأسد بحلول سلمية لا خطط عسكرية قالت مصر إنها لم تؤد إلى نتيجة تذكر طيلة السنوات الأخيرة.

غير أن مراقبين بدت لهم رؤية القاهرة هذه بعيدة من مواقف سابقة تزامنت مع وعود بدعم مالي سخي لنظام مصري أصبح في نظر منتقديه أقرب إلى من يدفع أكثر، موفرا له بالنتيجة فرصة البقاء والاستمرار في زمن العواصف العربية العاتية.

وبدا لمراقبين كأن الرئيس المصري الحالي نسي قولته الشهيرة أيام تدفق الأموال بعد انقلابه في يوليو/تموز 2013 "حينما يتعرض الأمن القومي العربي لتهديد حقيقي ونستدعى فهي "مسافة السكة".

وانتقد أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت عبد الله الشايجي غياب الدور المصري في العالم العربي وقال إنه يجب على مصر أن "تلعب دورا مؤثرا كما كانت من قبل، لأن الدور المصري لو كان موجودا لما استباحت إيران عواصم عربية عدة، ولما كنا بحاجة لتركيا لتلعب دورا في سوريا، ولما كنا في هذا التيه والضعف العربي الحالي".

وفي ظل الغموض الذي يلف مواقف مصر في الآونة الأخيرة وترددها في دعم التحالف الذي قادته السعودية في اليمن، قال الشايجي في حلقة من برنامج "الواقع العربي الذي تبثه الجزيرة، إن الموقف المصري يجب أن يكون واضحا، ويجب على مصر أن "تلعب دورا مؤثرا كما كانت من قبل".

مقاتلات مصرية تقصف درنة الليبية في تدخل مصري لصالح حفتر بليبيا (الجزيرة)

تسويف مصري
وقال الشايجي إن حديث وزير خارجية مصر سامح شكري عن الحل السياسي في سوريا لم يعد يُجدي بعد خمس سنوات من الحرب ومقتل نحو نصف مليون سوري، واعتبره "جزءا من التسويف وعدم تحمل المسؤولية".

وأوضح الشايجي أن هناك تباينا بين القاهرة والرياض، مشيرا إلى أن الرؤية السعودية الآن أكثر جراءة وتدخلا وحزما، في اليمن وسوريا وبتشكيل التحالف العسكري الإسلامي، بينما يبقى الموقف المصري مترددا.

لكن أستاذ الدراسات الأمنية والعلوم السياسية في جامعة إكستر البريطانية عمر عاشور وصف مواقف مصر بأنها "متسقة"، مستدلا بأن النظام المصري الحالي يحاول إنقاذ أنظمة ما قبل 2011 في المنطقة، وهو ما يُفسر ترحيبه بالتدخل الروسي في سوريا، مقابل عدم الترحيب بالتدخل السعودي التركي.

وأضاف عاشور أن القاهرة تُقدم الدعم لمحاولة إعادة إنتاج النظام الليبي الذي انهار في الثورة، أما نظرة القاهرة تجاه اليمن فإن "القلب والعقل يتضاربان، فالقلب يدعم نظام علي صالح وبقاياه، بينما العقل بحاجة للتوافق مع السعودية طلبا لدعم اقتصادي".

المصدر : الجزيرة