في المشهد الليبي المتداخل والمتشابك بين أطراف النزاع السياسي والعسكري، تتكاثف الجهود لإنجاح مهمة حكومة الوفاق الوطني التي تشكلت برعاية أممية، في حين يواصل المجتمع الدولي دقّ نواقيس الخطر بشأن تمدّد تنظيم الدولة الإسلامية.

يخيّم شبح الانقسام والصراع على سماء ليبيا بعد خمس سنوات من اندلاع ثورة 17 فبراير/شباط 2011 التي أطاحت بنظام العقيد معمر القذافي، خمس سنوات لم تحقق فيها البلاد الاستقرار السياسي، في وقت تواصلت النزاعات المسلحة بين كتائب وتشكيلات عسكرية مختلفة.

وفي السنة الخامسة لـ"ثورة 17 فبراير" لا تزال البلاد تتلمس طريقها لتحقيق الاستقرار، طريق يبدو أنها طويلة إذا استمر التفكك والفوضى وتنامي نفوذ التشكيلات المسلحة ومنها تنظيم الدولة الإسلامية.

مرت البلاد في هذه السنوات بمخاض عسير، وتغييرات متسارعة بعضها حقق نوعا من الاستقرار الهش، في حين عمّقت تغيرات أخرى حالة الانقسام السياسي.

انقسام بلغ أشده بتشكيل حكومتين، الأولى منبثقة عن البرلمان الليبي المنحل في طبرق، والثانية منبثقة عن المؤتمر الوطني العام في طرابلس، في وقت استمر فيه القتال بين الكتائب المسلحة في شرق البلاد وغربها.

جدال وتنازع
حالة الجدال وتنازع الشرعية بين البرلمان المنحل والمؤتمر الوطني العام، دفعت الأمم المتحدة إلى محاولة رأب الصدع عبر جولات من الحوار الطويلة كللت بتوقيع اتفاق سياسي ليبي بمدينة الصخيرات المغربية يوم 17 ديسمبر/كانون الأول الماضي، يقضي بتشكيل حكومة وفاق وطني ومؤسسات مرحلة انتقالية جديدة.

وقد قضى اتفاق الصخيرات الذي وقعه بعض ممثلي مجلس النواب المنحل والمؤتمر الوطني العام، بتشكيل حكومة وحدة وطنية برئاسة فائز السراج، إلا أن مجلس النواب في طبرق رفض التشكيلة الحكومية المقدمة، وسط شكاوى من أن عدد الوزراء المعينين -الذي بلغ 32 وزيرا- أكبر مما يجب.

وفي سياق العمل على إنهاء الأزمة المتشعبة، أعلن المجلس الرئاسي في ليبيا بمدينة الصخيرات المغربية في وقت متأخر من مساء الأحد تشكيلة معدلة لحكومة الوفاق الوطني تتكون من 13 حقيبة وزارية وخمسة وزراء دولة، وأرسلها إلى مجلس النواب في طبرق من أجل إقرارها، معتبرا أن ذلك سيكون بداية نهاية الأزمة الليبية.

ويُفترض أن يصوت مجلس النواب اليوم الاثنين أو الثلاثاء على اللائحة المقترحة للحكومة الجديدة.

السراج دعا مجلس النواب إلى استشعار خطورة المرحلة ومنح الثقة للحكومة الجديدة (الأوروبية-أرشيف)

أمل ودعوات
رئيس حكومة الوفاق الليبية فايز السراج الذي يأمل أن تنال حكومته الثقة، دعا مجلس النواب إلى استشعار خطورة المرحلة ومنح الثقة للحكومة الجديدة كي تباشر عملها، مشيرا إلى أنه تمت مراعاة الكفاءة والخبرة والتوزيع الجغرافي والطيف السياسي ومكونات المجتمع ومشاركة المرأة في هذه التشكيلة الحكومية الجديدة.

أما عضو المجلس الرئاسي والناطق الرسمي باسمه فتحي المجبري فاعتبر أن إعلان حكومة الوفاق لحظة تاريخية وحاسمة بعد مرور 15 شهرا على بداية جلسات الحوار الليبي، مضيفا أن هذه الحكومة ستكون بداية نهاية الصراع وتوحيد جهود الليبيين من أجل مواجهة عدوهم الواحد وهو "الإرهاب" الذي لم يستثن أحدا، على حد تعبيره.

ودعا المجبري الأطراف الإقليمية إلى دعم جهد الليبيين لبناء حكومة الوفاق، والمجتمع الدولي إلى مساندتهم من أجل استكمال جهود الوفاق.

دعوة سبقتها تأكيدات مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا مارتن كوبلر الذي صرح قبل أيام في مؤتمر الأمن في ميونيخ بأنه يمكن للحكومة الليبية الجديدة أن تطلب مساعدة المجتمع الدولي في حربها على تنظيم الدولة الإسلامية.

كوبلر الذي سارع إلى تهنئة المجلس على إعلان حكومة جديدة، اعتبر في تغريدة على موقع التواصل الاجتماعي تويتر أن "الرحلة إلى السلام ووحدة الشعب الليبي بدأت أخيرا"، داعيا إلى "اعتماد الحكومة".

كوبلر: الرحلة إلى السلام ووحدة الشعب الليبي بدأت أخيرا (أسوشيتد برس)

تحديات عديدة
وفي هذه الرحلة لا يمثّل تشكيل الحكومة سوى خطوة أولى في الطريق، فأمام حكومة السراج تحديات عدّة، أبرزها محاربة تنظيم الدولة الذي يسيطر على مدينة سرت الساحلية ويهدد بتوسيع رقعة نفوذه.

ولا يشكّل هذا الملف تحديا للحكومة فحسب، بل لدول الغرب التي تتخوف من توسع التنظيم وتهديداته.

مخاوف أعرب عنها وزير الخارجية الألماني فرانك فالتر شتاينماير بقوله "لا يمكن ألا نكترث للوضع في ليبيا حين تواصل عصابات تهريب البشر صفقاتها وسط الفوضى التي تصيب البلاد والحرب الأهلية، كما لا يمكن ألا نكترث بالتأكيد حين يثبت تنظيم الدولة الإرهابي أركانه على مشارف أوروبا".

الأمر ذاته جاء على لسان وزير الخارجية الفرنسي الجديد جان مارك أيرولت الذي اعتبر أنه لم يعد ثمة وقت لتتسلم حكومة الوحدة الوطنية مهماتها قائلا "يجب أن نحث الخطى، في أسرع وقت ممكن.. الأمر مرتبط بمصلحة الليبيين ومصلحة وأمن بلدان المنطقة، فضلا عن الأمن في أوروبا".

ومن المؤكد أن هذه الخطوات السريعة للخروج من الوضع القاتم في ليبيا، يحتاجها الجميع وأولها الليبيون الذين ثاروا على أربعة عقود من حكم القذافي، آملين في تحقيق الحرية.

المصدر : الجزيرة + وكالات