بعد هزيمتها أمام باراك أوباما في 2008 بانتخابات الحزب الديمقراطي، وإحباطها اليوم إثر خسارتها أمام مرشح لا خبرة له بالسياسة، ستبقى هيلاري كلينتون المرأة التي يتبدد حلمها في كل مرة.

ففي فبراير/شباط الماضي سأل أحد الصحفيين هيلاري كلينتون إن كانت دائما تقول الحق للشعب الأميركي، فردت قائله "لقد حاولت دائما ذلك"، ولو وجه هذا السؤال إلى شخصية سياسية أقل حذرا لكان رد فورا بـ"نعم"، لكن كلينتون المحامية ذات الخبرة الواسعة تزن كل كلمة تتفوه بها خشية وقوعها في فخ.

وقد أدى هذا السلوك -رغم سعيها لتغييره ورغم دعم كل المعسكر الديموقراطي والرئيس باراك أوباما لها- اليوم الثلاثاء إلى خسارة الديمقراطيين البيت الأبيض في هزيمة تاريخية أمام الجمهوريين هزت العالم أجمع.

وفي سبعينيات القرن الماضي لم يمنح سكان أركنسو ثقتهم للزوجين عندما كان زوجها بيل كلينتون حاكما للولاية وكانت هيلاري مصرة على الحفاظ على اسمها قبل الزواج هيلاري ديان رودهام ومواصلة مسيرتها المهنية، فهل كانت تحب فعلا زوجها؟ وماذا كانت تخفي هذه المرأة في الواقع؟

الذهول يبدو على إحدى مؤيدات هيلاري كلينتون خلال إعلان النتائج بمقر حملتها الانتخابية (رويترز)

وفي النهاية اعتمدت اسم كلينتون، لكن هذه المرأة الحديثة جدا والطموحة جدا كانت تتناقض مع المجتمع المحافظ في المناطق الجنوبية من الولايات المتحدة, فقد قالت "أعتقد أن هذه إحدى مخاطر الحياة العامة .. لا يمكن أن يعيش الإنسان حياته بناء على ما يتخيله الآخرون".

ثم خاض زوجها السباق إلى البيت الأبيض وهنا أيضا كانت زوجته التي كان يفتخر بها كثيرا، "سيفا ذو حدين"، فكانت ورقة رابحة عندما دافعت عن زوجها المتهم بالخيانة الزوجية في 1998 وورقة خاسرة عندما كانت تسخر من ربات المنازل معلنة أنها تفضل العمل على البقاء في المنزل وطهو الحلوى.

ولدى وصولها إلى واشنطن كانت السيدة الأولى لا تزال تثير الانزعاج, فكانت أكثر المستشارين نفوذا لبيل كلينتون وانتقلت إلى الجناح المخصص للرئيس وأقرب معاونيه، وكانت السيدات الأوليات السابقات يقمن في الجناح الشرقي.

وتمكنت هيلاري كلينتون من إبهار محاوريها عندما هاجمت إصلاح نظام الرعاية الصحية فهي تعرف ملفاته وتعمل بكد حتى أنها نالت إعجاب الجمهوريين في الكونغرس, وعلى مر الأشهر فشلت هذه العملية وبدأ خصوم أسرة كلينتون بالتحدث عن تعنت شخصية هيلاري وهذا الفشل شكل أول صدمة سياسية لها.

ثم أدى العدد الكبير من القضايا التي تزعم كلينتون أنها مفبركة في إطار "مؤامرة كبرى حاكها اليمين" إلى تسميم علاقاتها مع الصحافة, ودافعت كلينتون بشراسة عن حياتها الخاصة وهو تصرف اعتبره الصحفيون مثيرا للشكوك.

هيلاري مع زوجها بيل كلينتون بعد ترشيحها رسميا من الحزب الديمقراطي (رويترز)

وفي كل مرة تتحدث فيها كلينتون عن معنى العمل السياسي إما أن يسخر الناس منها أو لا يصغون إليها, ورغم إقرار الأميركيين بذكائها ومثابرتها فإن الصفحات الأولى للمجلات تتساءل دائما "من هي كلينتون الحقيقية؟"

ومنذ ذلك الحين مرت علاقتها مع الأميركيين بسلسلة من التقلبات, فقد تعاطف معها الأميركيون خلال اسوأ لحظات الإهانة التي تعرضت لها أثناء فضيحة زوجها مع المتدربة في البيت الأبيض مونيكا لوينسكي في 1998، وعندما انتخبها سكان نيويورك ممثلتهم في مجلس الشيوخ عام 2000.

ولطالما أرادت هيلاري كلينتون دخول المعترك السياسي باسمها, ففي 1990 طلبت زوجة حاكم أركنسو إجراء استطلاعات للرأي لمعرفة الآراء لاحتمال خلافته في هذا المنصب، لكن النتائج غير المرضية أثرت فيها.

كما شهدت علاقتها مع الأميركيين تراجعا عندما صوتت لصالح خوض حرب العراق في 2002، وعندما هزمت في الانتخابات التمهيدية للرئاسة في 2008 أمام الشاب باراك أوباما.

والآن وبعد أن أصبحت في التاسعة والستين من عمرها، ومرت بكثير من التجارب والمشاكل والمتاعب السياسية، باتت كلينتون جزءا من المؤسسة السياسية, وقالت في كلمة قبول ترشيحها في مؤتمر الحزب الديموقراطي في فيلادلفيا في يوليو/تموز الماضي "أعرف أن بعض الناس لا يعرفون شخصيتي تحديدا".

وبعد أن اختارها أوباما وزيرة للخارجية طفت مشكلة جديدة وهي استخدامها لخادم خاص لإرسال بريدها الإلكتروني بدلا من استخدام خادم وزارة الخارجية سعيا للخصوصية، وهو ما أثر في عودتها إلى السياسة في 2015، وعادت هذه المشكلة لتظهر من جديد خلال حملة الانتخابات.

ويقول معارضوها في استعراضهم لآلاف الرسائل الإلكترونية إنهم وجدوا دليلا على هوسها بالخصوصية والسرية, إلا أن بيل ماير الكوميدي الليبرالي الساخر، قال إنه اكتشف امرأة جديدة "امرأة ذكية لا تتوقف عن العمل مطلقا".

المصدر : الفرنسية