أحمد فياض-غزة 

لا يوحي مبنى مركز الإصلاح والتأهيل بغزة المحاط بإجراءات أمنية مشددة وتعلو جدرانه الأسلاك الشائكة أنه يضم في جنباته سجناء صقلوا مهاراتهم الفنية وسخروها لنسخ القرآن الكريم بأيديهم.
 
ففي إحدى القاعات المجهزة لهذا الغرض، أخذ النزيل سمير حسب الله وستة من رفاقه ينسخون صفحات من القرآن الكريم بالرسم العثماني.

وبدا سمير المتخصص في رسم الحروف مستغرقا في تشكيلها، فتراه تارة ينظر إلى المصحف وتارة أخرى يرسم بأنامله التشكيل لتظهر بعدها الكلمات مزهوة بحلة من حركات التشكيل التي تضفي على الصفحة رونقا وجمالا.

وتشكيل حروف المصحف ليس بالعمل السهل -كما يقول سمير- فهي صغيرة وقريبة من بعضها، ويحتاج صفها مزيدا من التدقيق والحذر، ولكنه مع ذلك يبدع في توزيعها ورصها بإتقان، معتمدا في ذلك على سنوات من الممارسة والتدريب داخل السجن.

ورغم صعوبة الدور المنوط بسمير، فهو يمضي في هذا العمل ما بين أربع وخمس ساعات متواصلة يوميا دون ملل، "أملا في أن يكون هذا الجهد شفيعا له يوم القيامة".

أحد النزلاء القائمين على نسخ المصحف بالرسم العثماني (الجزيرة)

وتحت رعاية جمعية دار القرآن والسنة بغزة -الجهة المشرفة على تدقيق المصحف- أتم النزلاء السبعة نسخ ثلاثة أجزاء من المصحف الشريف في ثلاثة أسابيع بدقة ووفق آلية تضمن خلوه من الأخطاء أو أي زيادة أو نقصان.

وجاءت فكرة نسخ المصحف بالرسم العثماني بمبادرة من قسم الإرشاد الديني في مديرية الإصلاح والتأهيل من أجل النهوض بهمة النزلاء ممن يملكون الخبرة الفنية، وحصلوا على دورات تدريبية في الرسم العثماني وأحكام التجويد.

وتبدأ عملية نسخ المصحف بتحديد أحد النزلاء السبعة مقاسات الصفحة المراد النسخ عليها وتسطيرها بقلم رصاص، ثم تنتقل الصفحة لنزيل آخر ليعمل على تحبيرها، ومن ثم تنتقل إلى نزيل ثالث ليخط عليها كلمات الآيات، ثم رابع متخصص في الرسم العثماني ليعمل على تشكيلها.

وبعد ذلك تمر الصفحة بمرحلة التدقيق، حيث يتسلمها نزيل متخصص في الرسم العثماني للتدقيق في الكلمات والتشكيل، وبعدها تنتقل الصفحة إلى نزلاء يعملون على تنظيفها من الشوائب، وأخيرا يتسلمها مسؤول من جمعية القرآن والسنة لتدقيقها وتصويرها، تمهيدا لنقلها إلى قسم القراءات والسند بالجمعية خارج السجن لتخضع من جديد للتدقيق من قبل فريق متخصص قبل إقرارها.
 

  مسعود أبو راس أثناء متابعة عمل النزلاء (الجزيرة)

ويتوقع المسؤول عن مبادرة نسخ المصحف والمنتدب من قبل جمعية القرآن والسنة لهذا الغرض مسعود أبو راس أن ينتهي النزلاء من نسخه في غضون سبعة أشهر، مشيرا إلى أنه لم يثبت إلى هذه اللحظة لدى لقسم القراءات والسند أي خطأ يذكر، وهو ما يرجح انتهاء العمل في الموعد المحدد.

ويقول أبو راس وهو متخصص في الرسم العثماني أيضا، إن النزلاء "سيعمدون إلى تجليد المصحف الممتدة صفحاته نحو متر ووضع لمساتهم الإبداعية عليه ليظهر بصورة جميلة ومتينة تكفل المحافظة عليه من التلف أو الضرر لعقود طويلة".

ولكن ما يقلق أبو رأس هو خشيته من ضياع جهود النزلاء المضنية بعد إتمامهم نسخ المصحف، بفعل تعرض السجن للقصف الإسرائيلي، مثل ما حدث خلال حملات العدوان الإسرائيلي على غزة في السنوات الأخيرة التي استهدفت خلالها المقار والمراكز الأمنية المختلفة.

ودعا أبو راس الدول العربية الصديقة للشعب الفلسطيني إلى استضافة المصحف بعد إتمامه لدى أحد متاحفها ليكون بمثابة أمانة عندها، ويرد عندما تتحرر فلسطين وأهلها من الاحتلال الإسرائيلي.

المصدر : الجزيرة