لا شك في أن حالة الاضطراب السياسي والعسكري في ليبيا لا تقترن فقط بسلوك القوى الداخلية الأساسية بمختلف مكوناتها وأنواعها، بل هناك قوى غربية وعربية تعبث بالمشهد الليبي وتحاول طي صفحة اتفاق الصخيرات وفرض أمر واقع في البلاد.

أشار تقدير موقف أصدره المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات إلى أن التحركات الأخيرة في طرابلس الغرب وانشقاق الأمن الرئاسي وعودة حكومة الإنقاذ المنحلة، تعكس مدى حدة الصراع بين مختلف الأطراف والقوى السياسية والعسكرية في الساحة الداخلية الليبية.

وأكد أن كل طرف يحاول جاهدا بسط نفوذه وتغيير معادلات القوة بما يخدم مصالحه، مما يفتح الباب واسعا أمام احتمال انهيار أمني شامل يطوي صفحة الاتفاق السياسي الذي وقعته الأطراف الليبية في الصخيرات المغربية في 17 ديسمبر/كانون الأول 2015.

ووفقا لذلك يشير تقدير الموقف إلى أن الأمور عادت إلى نقطة الصفر في صراع أهلي تتداخل فيه الأبعاد القبلية والجهوية من ناحية، وتتعارض فيه مصالح القوى الإقليمية والدولية في منطقة ذات أهمية كبيرة من ناحية أخرى.

خليفة الغويل رئيس حكومة الإنقاذ التي عادت لممارسة مهامها في طرابلس بعد السيطرة على قصور الضيافة (الجزيرة)

حكومات وسلطات
وفي ليبيا الآن ثلاث حكومات تدّعي كل منها شرعية، ففي الغرب الليبي حكومتان؛ حكومة الإنقاذ برئاسة خليفة الغويل التي انبثقت من المؤتمر الوطني العام، وحكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج التي نشأت عن اتفاق الصخيرات، وهي تحظى بدعم دولي.

وفي شرق ليبيا الحكومة المؤقتة المنبثقة من مجلس النواب الذي يتخذ من مدينة طبرق مقرا مؤقتا له، ويرأس هذه الحكومة عبد الله الثني.

ويمكن أيضا اعتبار اللواء المتقاعد خليفة حفتر سلطة ثانية في الشرق الليبي لا تخضع لحكومة الثني، وإن تحالفت معها. فإذا كانت هناك ثلاث حكومات، فإنه يوجد عمليا أربع سلطات. ولم تتمكن حكومة الوفاق الوطني منذ وصولها إلى العاصمة طرابلس في مارس/آذار الماضي من الحصول على ثقة برلمان طبرق حتى تمارس أعمالها حسب اتفاق الصخيرات.

واستمرت الحكومتان الأخريان (حكومة الثني وحكومة الغويل) في أداء أعمالهما من دون الاهتمام بالاتفاق السياسي والعقوبات الغربية التي فرضت على كل من خليفة الغويل وعقيلة صالح (برلمان البيضاء) لتعطيلهما مخرجات الاتفاق السياسي.

وفي المحصلة، بدت حكومة السراج متعثرة وغير قادرة على معالجة الأوضاع الصعبة، وقد حاولت هذه الحكومة من خلال إطلاقها عملية "البنيان المرصوص" ضد تنظيم الدولة الإسلامية في المنطقة الممتدة بين سرت ومصراتة في مايو/أيار الماضي تعزيز وضعها الداخلي والدولي، وحققت انتصارات كبيرة في سرت.

وقد شكلت كتائب ثوار مصراتة (فجر ليبيا) القوة القتالية الأساسية في عملية البنيان المرصوص، ودخلت الولايات المتحدة الأميركية على خط العمليات في أغسطس/آب بدعم جوي، وهو ما عدّه كثيرون بمنزلة دعم خارجي لحكومة الوفاق الوطني، عزّز موقعها داخليا.

واستغل حفتر المدعوم من فرنسا انشغال قوات حكومة الوفاق في مكافحة تنظيم الدولة للسيطرة على منطقة الهلال النفطي في 12 سبتمبر/أيلول 2016، والسيطرة على موانئ السدرة ورأس لانوف والزويتينة، ولم تؤثر إدانات الولايات المتحدة وإيطاليا وبريطانيا وإسبانيا لهذه الخطوة ومطالبتها قوات حفتر بالانسحاب وتسليم الحقول النفطية لحكومة الوفاق الوطني.

اللواء المتقاعد خليفة حفتر أمر قواته بالسيطرة على منطقة الهلال النفطي (الجزيرة)

تغييرات متسارعة
ومازال حفتر يسيطر على أهم منطقة في ليبيا، وهو بذلك يقلب توازنات القوى في المشهد الليبي. والراجح أن الأمور لن تقف عند هذا، خاصة على ضوء مزاعم اللواء عبد الرازق الناظوري رئيس أركان قوات حفتر بأن قواته باتت تسيطر على ما نسبته 80% من البلاد، في الشرق والجنوب والغرب، إذ يحظى بدعم بعض القبائل.

وقد زادت الأمور تعقيدا عندما دعا خليفة الغويل بعد أن سيطرت قوات موالية له على مجمع قصور الضيافة ومقر مجلس الدولة في طرابلس في 14 أكتوبر/تشرين الأول بالانفتاح على حكومة عبد الله الثني شرق البلاد وتشكيل حكومة وحدة وطنية، وقد ردت الأخيرة بعرض المقترح على السلطة التشريعية (برلمان طبرق) لدراسته.

ولاقت هذه الخطوة اعتراضا من المجلس المحلي لمدينة مصراتة الذي وصفها بمحاولة خارجة عن القانون وبالتصرفات العبثية التي تساهم في زيادة العراقيل أمام وصول ليبيا إلى حالة الاستقرار السياسي والأمني، ومعلنا دعمه للأجسام الشرعية المنبثقة من اتفاق الصخيرات.

ويذهب تقدير الموقف إلى أن حالة الاضطراب السياسي والعسكري الليبي لا تقترن فقط بسلوك القوى الداخلية الأساسية (حكومة الوفاق الوطني، وبرلمان طبرق والحكومة المؤقتة، وقوات خليفة حفتر، وكتائب مصراتة، والكتائب والمليشيات على أنواعها، وحكومة الإنقاذ)، بل هناك قوى إقليمية غربية وعربية تعبث بالمشهد الليبي وتحاول طي صفحة اتفاق الصخيرات وفرض أمر واقع في ليبيا.

وبناء عليه فإن أي تحرك قادم من طرف قوات حفتر تجاه العاصمة طرابلس سيكون بدعم تلك القوى على غرار ما قام به في الهلال النفطي. ويعني ذلك انزلاق البلاد في مواجهات عسكرية جديدة ودامية بين قوات حفتر وكتائب الثوار في الغرب الليبي، خاصة كتائب مصراتة، وهي الأكثر تدريبا وتسليحا وقد قدمت تضحيات كبيرة في معركة تحرير سرت، وهو ما قد يعصف باتفاق الصخيرات ويعيد ليبيا إلى المربع الأول.

المصدر : الجزيرة