يتواصل التحقيق في ظل موجة استنكار عارمة انطلقت من الحسيمة المغربية، وبلغت ذروتها الأحد الماضي بخروج آلاف المواطنين بعدة مدن للتنديد بسلوك المسؤولين والذي أفضى لمقتل فكري بائع السمك الذي طحنته شاحنة نفايات الجمعة الماضية.

الحسن أبو يحيى-الرباط

استبعد مراقبون أن تذهب التحقيقات في ملابسات مقتل الشاب المغربي محسن فكري إلى أبعد مدى، بينما توقّع آخرون ألا تقتصر على العصف بمسؤولين صغار وإنما تتسع قدر اتساع الأزمة التي سببها الحادث.

ويتواصل التحقيق بالقضية في ظل موجة استنكار عارمة انطلقت من الحسيمة، وبلغت ذروتها الأحد الماضي بخروج آلاف المواطنين بعدة مدن للتنديد بسلوك المسؤولين والذي أفضى إلى مقتل فكري، وهو بائع أسماك طحنته شاحنة نفايات الجمعة الماضية خلال محاولته منع عناصر أمنية من مصادرة بضاعته.

وفي حديثه للجزيرة نت، قال الباحث في العلوم السياسية خالد يايموت إن المؤشرات تفيد بأن التحقيق سيكون موسعا "لكون مقتل هذا المواطن مطحونا كلف الدولة ثمنا سياسيا كبيرا، وأعاد عقارب الزمن السياسي المغربي إلى حراك 2011، وهي عودة مزعجة للنظام السياسي، وللأجهزة الأمنية".

 د. كداي: القضية ستنتهي لكن يبقى الإحساس بالغبن الذي خلفته (الجزيرة نت)

ويعتبر يايموت أن مؤسسات الدولة لم تستطع التحكم في مسار الأزمة التي خلفها هذا الحادث، ولم تبدّد بعد الشكوك المجتمعية القائمة حول سريان العدالة، مما يجعل العمر الافتراضي لهذه القضية ممتدا لشهور.

تضاؤل تدريجي
لكنّ محمد غزالي أستاذ العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس قال إن النَّفس الشعبي الاحتجاجي لن يطول بما يكفي ليواكب تحقيقات من هذا النوع، متوقعا أن يستمر الاهتمام الشعبي بالقضية وتداعياتها أسبوعا آخر قبل أن يخف تدريجيا تفاعل الرأي العام معها، وقال د. محمد غزالي "هذا لمسناه في التفاعل مع قضايا مماثلة".

وقال د. غزالي أيضا للجزيرة نت إن مسار هذه القضية تأثر بعدّة عوامل متداخلة، ويتمثل أبرزها في استغلالها سياسيا ضد حكومة العدالة والتنمية بسبب النفوذ القوي الذي يتمتع به غريمه حزب الأصالة والمعاصرة بهذه المنطقة، إلى جانب الضغط الشعبي الناتج عن التعبئة التي عرفتها صفحات التواصل الاجتماعي، كما أن العامل الأهم -برأي غزالي- يتمثل في "كون أطوار هذه القضية تجري في منطقة الريف التي لها حساسية بالغة اتجاه الدولة، وتغذيها نعرات انفصالية محدودة".

وفي حديث للجزيرة نت، توقع عبد اللطيف كداي أستاذ علم الاجتماع بجامعة محمد الخامس أن تنتهي هذه القضية كما انتهت قضايا مشابهة، وقال كداي "لكن الذي لن ينتهي هو ذلك الإحساس بالغبن الذي ترسخ في أذهان المواطنين سواء من منطقة الريف أو باقي المناطق المغربية".

ويضيف "لو كان الضحية مقتنعا بوجود عدالة اجتماعية وقانون يطبق على الجميع ما تمادى في تصرفاته، ولذلك فالمواطن يحس أن القانون يطبق بشكل أعمى في مواجهة أبناء الطبقات المسحوقة".

 بلال التليدي: التحقيق هدفه امتصاص الغضب الشعبي وليس البحث عن الحقيقة (الجزيرة نت)

وفي السياق ذاته، قال المحلل السياسي بلال التليدي إن تهدئة الشارع هدف يمكن تحقيقه لو أخذ التحقيق بعدا سياسيا، لأن قرار إتلاف الأسماك في ظل تصاعد الاحتجاج وفي ظل الطابع المعيشي والاجتماعي لهذه الممارسة يعتبر في جوهره قرارا أمنيا يتحمل مسؤوليته عامل الإقليم الذي جانَب منطق التدبير الرشيد في هذا الملف.

خصوصية التحقيقات
ويعتقد التليدي أن تحقيق الحسيمة له خصوصيته "لكنّ فتح التحقيقات تحوّل إلى مجرد آلية لامتصاص الغضب الشعبي، وليس وسيلة للبحث عن الحقيقة وترتيب المسؤوليات".

وبينما يرى كداي أن التحقيقات أمر روتيني وعادي له حدود معينة في جميع الديمقراطيات "ولا نتوقع أن تكشف عن الخبايا المتعلقة بصيد الأسماك المحظورة، أو عن لوبيات الصيد في أعالي البحار" يرى يايموت أن فتح التحقيقات وتوقفها أصبح ثقافة راسخة في ذهنية السلطة السياسية بـالمغرب، وهو ما يعبّر عن حالة الالتباس الديمقراطي التي تعيشها البلاد.

وضمن حديثه، نبّه كداي إلى أن المغرب يعيش مرحلة جديدة من الاحتجاج، وهو احتجاج "ليس بالمطلق من أجل الحق، بل أحيانا من أجل الحفاظ على امتيازات معينة، وهذا مكمن الخلل، إذ أن الدولة لم تعط المثال في محاربة كل أشكال الفساد والامتيازات، وهذا يتطلّب شحذ الإمكانيات لتعميق الفهم حول ما يجري على الساحة، وفهم طبيعة هذه التحولات التي تهدد في المجمل السلم الاجتماعي".

المصدر : الجزيرة