تدخلات فرنسا بدول أفريقية عديدة، وحضورها القوي في التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة على الساحتين السورية والعراقية، فرضا عليها الانسحاب عسكريا من وسط أفريقيا؛ إذ أصبح وجودها فيها إنهاكا لها، وتشتيتا لجهودها المركزة الآن على مواجهة ما يسمى "الإرهاب".

أحمد الأمين-نواكشوط

بعد تردد وحديث متقطع، حسمت فرنسا أمرها واتخذت قرارها مطلع الأسبوع بإنهاء عملية "سانغاريس" في جمهورية أفريقيا الوسطى التي أطلقتها على عجل عام 2013، وذلك في سياق ترتيب أولويات انتشارها العسكري في الخارج.

وكانت فرنسا أرسلت نحو ألفي عسكري إلى جمهورية أفريقيا الوسطى في إطار عملية "سانغاريس" لمحاولة إنهاء عمليات القتل الانتقامي التي اندلعت عام 2013 بين مقاتلي "السيليكا" المنتمين في أغلبهم للمسلمين، ومليشيا "أنتي بالاكا" المسيحية. وبموجب القرار الفرنسي فإن عدد القوات سينخفض إلى ما دون ثلاثمئة بحلول مطلع 2017.

وحاولت فرنسا تخفيف تأثير انسحابها عسكريا من جمهورية أفريقيا الوسطى، حيث قال وزير الدفاع الفرنسي جان إيف لودريان إنهم لن يتخلوا عن هذا البلد، وسيحتفظون بإمكانية التدخل سريعا عن طريق قواتهم المحلية ووحدات من العملية "بارخان" وقوات أخرى متمركزة من قبل في أفريقيا.

لكن هذه التطمينات لم تذهب المخاوف، فقد عبر رئيس الجمعية الوطنية في وسط أفريقيا عبد الكريم ميكاسوا عن مخاوفه من أن تزيد مغادرة القوات الفرنسية الوضع الأمني تدهورا، وقال إن الانسحاب يشكل مصدر قلق، وقد يثير النزعة العدوانية عند بعض الناس.

ورغم تأكيد المسؤولين الفرنسيين أن عملية "سانغاريس" كانت ناجحة، وأتاحت الظروف لمصالحة بين المجموعات، وإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية، حسب تصريحات لودريان، فإن ذلك لا يبدو موضع إجماع، إذ لا تزال الاضطرابات واقعا معيشا، وما زال الاقتتال أمرا مشهودا.

وزير الدفاع الفرنسي لودريان قال إنهم سيحتفظون بإمكانية التدخل السريع (رويترز)

ويثير ذلك تساؤلات كثيرة لدى المراقبين والمتابعين للشأن الأفريقي حول الدوافع الحقيقية للانسحاب الفرنسي في هذه المرحلة دون تحقيق الهدف الذي تدخلت من أجله.

وبينما تشدد الحكومة الفرنسية على أن الوضع الراهن في جمهورية أفريقيا لم يعد يتطلب هذا الوجود العسكري المكثف، خاصة في ظل وجود قوات أممية لحفظ السلام، يرى محللون أن الانسحاب يندرج في سياق ترتيب فرنسا أولويات انتشارها العسكري الخارجي.

ويرى الخبير في الشأن الأفريقي وقضايا الأمن بالساحل عبد الله ممدوبا أن الفرنسيين الآن موجودون عسكريا في أكثر من ساحة خارجية في إطار ما يسمى مكافحة الإرهاب؛ حيث يتدخلون في مالي والنيجر وبوركينا فاسو وليبيا، فضلا عن حضورهم القوي في التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة على الساحتين السورية والعراقية.

ويضف ممدوبا في حديث للجزيرة نت أن ذلك يفرض على الفرنسيين الانسحاب عسكريا من وسط أفريقيا، لأن وجودهم فيها إنهاك لهم وتشتيت لجهودهم المركزة الآن على مواجهة "الإرهاب"، بوصفه أولوية بالنسبة لهم.

من جانبه، يرى المحلل السياسي السنغالي محمد سعيدبا أن التدخل الفرنسي في أفريقيا الوسطى جاء بدوافع ذات طابع سياسي ولم يكن ذا بعد إستراتيجي كما هي الحال في أماكن أخرى من العالم تنتشر فيها القوات الفرنسية.

ممدوبا: الوجود الفرنسي لم يعد ذا أهمية كبرى منذ تشكيل القوات الأممية (الجزيرة نت)

وأشار سعيدبا في حديث للجزيرة نت من داكار إلى أن هناك ضغوطا على فرنسا في أماكن أكثر حيوية بالنسبة لسياستها الخارجية، مثل منطقة الصحراء والساحل والشرق الأوسط، تفرض عليها تركيز جهودها العسكرية، وهو ما يمكن أن يفسر هذه الخطوة.

وكما أثير التساؤل بشأن دوافع القرار الفرنسي، طرح السؤال بشأن تأثيره على الأوضاع الأمنية والاستقرار في هذا البلد، خاصة أن الاقتتال ما يزال حالة مشهودة فيه.

ويقلل سعيدبا من أهمية الدور الفرنسي في ضمان الاستقرار بوسط أفريقيا، ويقول إنه "أصبح في نهاية المطاف ذا تأثير نفسي أكثر منه رادعا عسكريا".

في حين يشير ممدوبا إلى أن الوجود الفرنسي لم يعد ذا أهمية كبرى منذ تشكيل القوات الأممية، كما أن الاستقرار في هذا البلد الآن يرتبط بطبيعة الصلاحيات الممنوحة لهذه القوات.

ويلفت الانتباه إلى أن المشكل الرئيسي الذي تواجهه قوات حفظ السلام الأممية يتمثل في عدم السماح لها باستخدام القوة ضد الطرف أو الأطراف التي تمتنع عن تنفيذ اتفاق السلام.

المصدر : الجزيرة