قالت ناشطة روسية إن "المواطن الروسي يعرف جيدا ما معنى الحرب، فهو إما أنه ابن أو حفيد لمحارب قديم شارك في الحرب العالمية الثانية التي حصدت أرواح الملايين، واستمع وقرأ عشرات القصص عن الحرب وويلاتها".

افتكار مانع-موسكو

مع دخول الحملة العسكرية الروسية في سوريا عامها الثاني، وانحدار العلاقات الروسية الغربية لمستويات غير مسبوقة، تتزايد في الأوساط الشعبية الروسية الهواجس من نشوب حرب عالمية ثالثة.

فقد عبر نصف المشاركين الروس في استطلاع للرأي عن خشيتهم من تطور الأزمة السورية إلى مواجهة كبرى بين بلادهم والغرب، وأظهر الاستطلاع -الذي أجراه مركز "ليفادا" الأسبوع الماضي- أن 48% قلقون من التصعيد المتبادل بين روسيا والغرب، بينما عارض 26% الغارات الجوية التي تشنها بلادهم على المدن السورية، مقابل تأييد 52% لها.

يقول نائب مدير معهد رابطة الدول المستقلة فلاديمير جاريخين إنه بعد انهيار الاتحاد السوفياتي كان التوجه الحكومي الرسمي يسير باتجاه التقارب مع الغرب، والنظرة الشعبية السائدة تجاه الغرب كانت إيجابية، لكن المزاج الرسمي والشعبي تبدل استنادا إلى تراكمات عديدة.

ومن أبرز هذه التراكمات، حسب المتحدث، إصرار حلف شمال الأطلسي (ناتو) على الزحف نحو الحدود الروسية، وإقامة الدرع الصاروخية في أوروبا، والسعي الحثيث لبسط النفوذ في الفضاء السوفياتي وآسيا الوسطى، ودعم حركات المعارضة في هذه الدول والتدخل في الشؤون الداخلية الروسية.

جاريخين لم يستبعد أن تتطور الأزمة مع الغرب لنشوب حرب لكن دون استعمال السلاح النووي (الجزيرة)

وأوضح أن موسكو مع الوقت أدركت أن الدور السياسي المطلوب منها هو التبعية الكاملة للغرب، فهل كان من المفترض بها أن تقف مكتوفة الأيدي، وكانت نقطة الاحتكاك الحقيقية الأولى في أوكرانيا ثم انتقلت لسوريا.

ولا يستبعد جاريخين أن تتطور الأزمة لنشوب حرب، لكن دون استعمال السلاح النووي، على غرار المواجهات التي وقعت خلال الحرب الباردة بين القطبين في شبه الجزيرة الكورية وفي فيتنام وفي تشيكوسلوفاكيا (سابقا) باستخدام الأسلحة التقليدية حصرا، وتابع أنه لا يستبعد السعي لاستنزاف روسيا اقتصاديا بجرها لحروب بالوكالة مع تشديد العقوبات الاقتصادية عليها.

تعبئة نشطة
من جهته، استهل عقيد الاستخبارات المتقاعد بافل باسانتش حديثه للجزيرة نت بالقول إن السلطات قامت بتغريم مركز "ليفادا" للدراسات المجتمعية وأوقفت نشاطه بحجة عدم حصوله على ترخيص كمنظمة أجنبية، مع أنه منظمة روسية.

باسانتش:
روسيا ستستغل انشغال الولايات المتحدة بالانتخابات لتكثيف حملتها على حلب للقضاء على المعارضة، وهذا ستكون له تبعات خطيرة

وبالحديث عن الحرب، رأى أن الأمور تسير في هذا الاتجاه، فالمجتمع الروسي واقع تحت تأثير عملية تعبئة نشطة، والإعلام يمارس التضليل بشكل فظ، ففي البداية بررت الآلة الإعلامية الحملة العسكرية بضرورة القضاء على الإرهاب في سوريا وحماية المصالح الروسية، لكن سرعان ما اتضح أن المستهدفين هم معارضو من أسماه الدكتاتور بشار الأسد.

وأضاف باسانتش أن روسيا ستستغل انشغال الولايات المتحدة بالانتخابات لتكثيف حملتها على حلب للقضاء على المعارضة، وهذا ستكون له تبعات خطيرة.

وختم بالقول "أنا كروسي أود أن أعبر من خلال الجزيرة نت عن رفضي لاستهداف المدنيين في حلب وغيرها، وأدين الغارات على الأحياء السكنية والمشافي والمدارس وآخرها مدرسة حاس "التي قتل فيها 22 تلميذا وستة مدرسين".

لا أحد يريد الحرب
من جانبها، ترى الناشطة في تجمع "الدوما الشعبية" مارينا يميليانتسفا أن نسبة الروس المتخوفين من نشوب حرب كبرى تتزايد، استنادا إلى ما لمسته من أناس بسطاء لا علاقة لهم بالسياسة.

وأوضحت يميليانتسفا للجزيرة نت أن المواطن الروسي يعرف جيدا ما معنى الحرب، فهو إما أنه ابن أو حفيد لمحارب قديم شارك في الحرب العالمية الثانية التي حصدت أرواح الملايين، واستمع وقرأ عشرات القصص عن الحرب وويلاتها، ولهذا فالمواطن الروسي يدرك أن هذه الحروب لا أحد يخرج منها منتصرا.

وأضافت المتحدثة أن الدوما الشعبية تتفهم موقف الرافضين للتدخل في سوريا، وسنسعى إلى إيصال صوتهم للمعنيين، فلا أحد من الروس يرغب في إرسال ابنه للقتال من أجل الدفاع عن أنظمة دول أخرى، معيدة إلى الأذهان التدخل السوفياتي في أفغانستان وما جره من مآس للسوفيات والأفغان على حد سواء.

كولاكوف: نسبة كبيرة من المواطنين الروس باتت تشعر بأن بوتين يقود البلاد نحو المجهول (الجزيرة)

مستقبل مجهول
أما عضو حركة التضامن المعارضة فلاديمير كولاكوف فيرى أن سياسة المواجهة التي تتبعها القيادة الروسية والتصعيد المستمر مع الولايات المتحدة ولّد شعورا بالقلق من خروج الأمور عن السيطرة وصولا لنشوب مواجهة مباشرة مع الغرب.

وأضاف كولاكوف في حديثه للجزيرة نت أن نسبة كبيرة من المواطنين الروس باتت تشعر بأن بوتين يقود البلاد نحو المجهول، وليس بمقدور أحد أن يوقف ذلك، فقد تفرد بالسلطة، وهو من يتحكم في الإعلام والأمن والقضاء، وكل من حوله لا وزن لهم.

المصدر : الجزيرة