الرباط-الحسن أبو يحيى

لا يخفي مراقبون تخوفهم من أن تتحول مظاهر الاستنكار والاحتجاج على مقتل مواطن مغربي طحنًا إلى حركة احتجاجية شبيهة بالحراك الذي اندلع في فبراير/شباط 2011 غداة هبوب رياح الربيع العربي.

وبينما يستبعد البعض ذلك، يرى آخرون أن إمكانية اندلاع حراك مغربي جديد تتوقف على جواب الدولة على أسئلة المجتمع الحارقة في ظل ما يسمونه التحالف القائم بين الفساد والتسلط.

ويستغرب أستاذ العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط ميلود بلقاضي وقوع حادث الحسيمة الذي راح ضحيته بائع سمك مات مطحونا في شاحنة نفايات بعد أيام قليلة من خطاب ملكي سلّط الضوء على علاقة المواطن بالإدارة وضرورة تصحيحها.

ويضيف أن "المغاربة لم يكونوا يعتقدون بأن مثل هذه الحوادث الدرامية يمكن أن تقع في ظل المفهوم الجديد للسلطة، ومن شأنها تشويه صورة المغرب خارجيا، وهزّ مصداقية الدولة ومؤسساتها داخليا".

ويقول بلقاضي للجزيرة نت إن السياق الوطني لن يسمح باندلاع حراك جديد كالذي وقع في 2011 إلا إذا تم استغلاله سياسيا، أو وقع استمرار لمثل هذه الممارسات، وهو ما سيجعل المغرب معرّضا لهزات اجتماعية تهدّد أمن واستقرار البلاد، إذا لم يسارع صناع القرار إلى تحقيق العدالة الاجتماعية، وفق تقديره.

أما الباحث في علم الاجتماع رشيد جرموني فيرى أن الاحتجاجات التي شهدتها المدن المغربية مؤخرا على خلفية هذا الحادث تدل على تحول نوعي في الحراك المجتمعي، جعل المواطنين يشعرون بأنهم سيستهدفون غدا بمثل هذه السلوكيات "التي تنطوي على حالة من القمع والتهميش والإقصاء".

مقتل فكري أعاد للواجهة قدرة الشارع المغربي على التحرك في وجه الغبن والتهميش (الأوروبية)

احتقان اجتماعي
ويشير جرموني إلى اعتقاد بعض المواطنين بأن هذه السلوكيات تعكس وجود عطب في علاقة أجهزة الدولة بالمجتمع، حيث يتم التعامل مع الأغلبية كفئة ثانية تأتي بعد فئة محظوظة من الناس.

ولم يستبعد أن يتحول الاحتقان الاجتماعي إلى مطالب تنموية وسياسية شمولية لا تعترف بالمؤسسات السياسية القائمة.

ويرى أن هذا الوضع يستدعي من الدولة والأحزاب السياسية العمل على إحداث تغيير جذري في طريقة التعامل مع المواطنين، "فلم يعد من المقبول عدم محاسبة المسؤولين عن التقصير".

وفي السياق ذاته، رأى الباحث محمد جبرون أن تداعيات الحادث لن تتطور إلى ما يشبه حراك 2011 "لأن المغاربة شعب عاقل، ويدرك تمام الإدراك سقف تحركه الاحتجاجي، والمسألة في نهاية المطاف تتعلق بتحرك من أجل الاستنكار وإعادة الاعتبار للقانون وتطبيقه، ومحاسبة المتورطين في مقتل محسن فكري".

من جانب آخر، يقول الحقوقي محمد العوني إن الاحتجاجات على هذا الحادث المأساوي تشكل امتدادا لحركية مجتمعية انطلقت قبل 2011، وتقوّت مع "حركة 20 فبراير".

ويذكّر بأن الاحتجاجات تجدّدت خلال السنوات الخمس الماضية "وتتأسس على عدم السكوت عن الظلم الصارخ، وتمزج بين حدّ أدنى من التنظيم وبين عنصر التلقائية والعفوية".

رسائل الاحتجاج وصلت إلى مراكز صنع القرار في المغرب (الجزيرة)

رسائل وردود
وقال العوني للجزيرة نت إن حادث الحسيمة سيسهم في تطوير هذه الحركية في ظل ما يعتمل داخل المجتمع المغربي، وفي خضم تطورات الأوضاع في المنطقة العربية.

ويرى أن إمكانية اندلاع حراك مغربي جديد متوقفة على ردود فعل السلطات، وطبيعة الإجراءات التي ستجيب بها على أسئلة المجتمع الحارقة في ظل "التحالف القائم بين الفساد والتسلط، وحنين بعض أجهزة السلطة إلى العودة لعهد الاستبداد".

وعلى صعيد آخر، قال الباحث في العلاقات العامة والتواصل السياسي محمد الراجي إن هذه الاحتجاجات تأتي في ظرفية سياسية حساسة، وتريد أن توصل رسالتين: تتعلق الأولى باستنكار سلوك وزارة الداخلية مع هذا الحادث وربطه بسلوكها العام تجاه إرادة المواطنين.

أما الرسالة الثانية فتتعلق بالتعبير عن القدرة على تحريك الشارع وتأطيره"، وهو ما يفيد بأن الأمر يتعلق برسالة تحذيرية للدولة تفيد بأن فشل الإصلاح، وقطع الأمل في التجربة الديمقراطية، سيؤديان إلى حراك شعبي ينتزع الحقوق اﻻجتماعية والسياسية".

وقال الراجي للجزيرة نت إن على الدولة أن تلتقط الرسائل التي تحملها التفاعلات المرافقة للحادث، وتعطي الأولوية للإصلاح الإداري والحدّ من التسلّط على المواطنين بصفة عامة.

المصدر : الجزيرة