بعد غارات استهدفت حي باب النيرب شرق مدينة حلب قبل أسبوعين، هرع أبو حسن المتطوع في الدفاع المدني إلى موقع القصف دون أن يخال للحظة واحدة أن يكون ابنه المتطوع مثله في عداد القتلى.

وداخل مركز مهجور للدفاع المدني مؤلف من طابق واحد في الحي، يشير الوالد المفجوع (50 عاما) إلى صورة يبدو فيها ابنه حسن (26 عاما) علقت مع صورة زميله الذي قتل معه إلى جانب صور متطوعين آخرين مع أسمائهم مع أربع خوذ بيض. وكتبت على الجدران شعارات بينها "صامدون" و"الإطفاء يعني الرجولة والفداء".

انضم الوالد وابنه قبل ثلاث سنوات إلى صفوف متطوعي الدفاع المدني أو "الخوذ البيضاء"، ومنذ ذاك الحين شارك أبو حسن في عشرات مهمات الإنقاذ في شرق حلب بعدما تخلى عن مهنته السابقة وهي النجارة، لكن اللحظات التي عاشها قبل أسبوعين لا يمكن أن تمحى من ذاكرته.

وعن تفاصيل تلك الليلة، يقول أبو حسن "قبل أسبوعين كان هناك قصف جوي ليلا على أحياء المدينة، سمعنا نداءات استغاثة عبر اللاسلكي من حي الصالحين تفيد بوقوع مجزرة نتيجة غارة جوية". في تلك الأثناء كان حسن في الحي ذاته لشراء المازوت لسيارة الإسعاف التابعة للمركز، وكان والده يعرف ذلك.

ويستعيد أبو حسن تلك اللحظات قائلا "عندما وصلت إلى مكان القصف كان هناك العديد من الجثث ملقاة على الأرض.. أخبرني أحدهم أن هناك المزيد من الجثث خلف المبنى المستهدف. سارعت إلى هناك وبدأت أشعر بالخوف. وجدت شابا ملقى على بطنه ومصابا إصابات بالغة في البطن والساق والرأس. قلبته بيدي لأرى وجهه".

ويضيف وهو يحبس دموعه "وإذ بي أجد ولدي. لقد كانت أصعب لحظة في حياتي كلها وليس أثناء تطوعي في الدفاع المدني فقط". وبعد نقل جثة ابنه الذي ترك خلفه زوجة وطفلين، إلى مركز باب النيرب، ظل أبو حسن قربه طيلة الليل. ويقول "في الصباح أخذته إلى المقبرة ودفنته بيدي".
 
في تلك الليلة، انضم حسن وزميله الذي قتل معه في الغارة ذاتها إلى عشرات المتطوعين الذين فقدوا حياتهم منذ تأسيس المنظمة عام 2013 وبات عددهم 142 متطوعا اليوم.

مجموعة من متطوعي الدفاع المدني أمام إحدى سيارات الإسعاف (الأوروبية)

وفي باحة المركز بباب النيرب يعمل متطوعون على تنظيف خوذهم البيض التي يحملون اسمها، وينهمك آخرون في طلاء سيارات الإسعاف والإطفاء البيضاء اللون بالطين، في محاولة لحجبها عن الطائرات التي تواصل التحليق في سماء الأحياء الشرقية في حلب.

ويحمل ثلاثة آلاف متطوع، وبينهم نحو مئة امرأة، أرواحهم على أكفهم في مناطق سيطرة الفصائل المعارضة في ثماني محافظات سورية، بينها حلب، حيث يخاطرون بحياتهم لإنقاذ الجرحى وسحب جثث القتلى.

ويروي محمد واوي أحد متطوعي الدفاع المدني كيف نجا بأعجوبة خلال قيامه وزملائه بمهمة إنقاذ في حي استهدفته الغارات. ويقول "أثناء عملنا، أغار الطيران الحربي علينا واستهدفنا بصاروخ، فأصيب فريق الإطفاء والإنقاذ".

ويوضح "بعدما كنا نقوم بإنقاذ وإسعاف السكان، أصبح السكان هم من يقومون بإنقاذنا"، لافتا إلى إصابة ستة أفراد من الفريق، لا يزال أحدهم في حالة خطرة.

ولم تسلم مراكز الدفاع المدني وسياراته من غارات الطيران الروسي وطيران النظام الذي أغار أيضا على مستشفيات ومنازل مخلفا مئات الضحايا في حلب. وقال مدير مركز الدفاع المدني في حي باب النيرب بيبرس مشعل "تم استهداف مراكز الدفاع المدني بشكل مباشر من الطيران الحربي" منذ بدء الهجوم.

وأوضح أن مركزين من أصل ثلاثة مراكز في شرق حلب تعرضا لغارات أدت إلى وقف الخدمة في أحدهما، كما دمرت ثلث آليات الدفاع المدني، ويتلقى سبعة متطوعين العلاج في المستشفيات.
 
ورغم قساوة التجارب وفظاعة المشاهد التي يراها يوميا، يواصل لؤي مشهدي (25 عاما) -الذي يرأس فريقا من المتطوعين- القيام بمهامه غير آبه بالمخاطر والغارات.

ويقول وهو يقف أمام مبنى مدمر في باب النيرب "منذ أيام عدة أخرجت طفلا رضيعا يبلغ من العمر أربعة أشهر من تحت الأنقاض في حي الصالحين، كان قد فقد رجليه وأجزاء من بطنه لكنه لا يزال على قيد الحياة".

ويضيف لؤي وهو أب لطفل من العمر ذاته "ظل الطفل بين يدي نحو ربع ساعة ثم توفي عندما وصلت سيارة الإسعاف، كان موقفا صعبا للغاية، مرضت بسببه وبقيت في المنزل ثلاثة أيام".

المصدر : الفرنسية