لم تحفل منظمة "الخوذ البيضاء" الطوعية السورية كثيرا بذهاب جائزة نوبل للسلام إلى غيرها، رغم أنها كانت في مقدمة المرشحين لها.

وبعد إعلان اسم الفائز بجائزة نوبل للسلام أمس الجمعة، سارعت المنظمة الناشطة في المناطق الواقعة تحت سيطرة المعارضة السورية إلى تهنئة الرئيس الكولومبي خوان مانويل سانتوس الذي نالها.

وقال رئيس المنظمة رائد الصالح إن أفضل جائزة يحصل عليها متطوعو المنظمة تكون عند "إنقاذ حياة إنسان، وهذا الإنجاز يغنينا عن كل الجوائز الأخرى".

وأضاف "إننا سعداء بأن ثمة بلدا آخر انتهت فيه الحرب، وهذا يمنحنا أملا في أن يكون دورنا لانتهاء الحرب عندنا في المستقبل".

وحصل هؤلاء على إشادة عالمية بتضحياتهم بعدما تصدرت صورهم وسائل الإعلام حول العالم وهم يبحثون عن عالقين تحت أنقاض الأبنية أو يحملون أطفالا مخضبين بالدماء إلى المشافي، كما نالت المنظمة دعما من عدد كبير من المشاهير بعد تداول اسمها لنيل جائزة نوبل للسلام.

التطوع للإغاثة يجمع رجال الخوذ البيضاء رغم اختلاف مهنهم وأعمارهم (الأوروبية)

نوبل بديلة
ومنحت المنظمة السويدية الخاصة "رايت لايفليهود" الشهر الماضي جائزتها السنوية لحقوق الإنسان -والتي تعد بمثابة "نوبل بديلة"- إلى متطوعي "الخوذ البيضاء"، مشيدة بـ"شجاعتهم الاستثنائية وتعاطفهم والتزامهم الإنساني لإنقاذ المدنيين من الدمار الذي تسببه الحرب الأهلية".

وفي كل مرة تحول غارة تنفذها قوات النظام أو حليفته روسيا مبنى من طوابق عدة إلى ركام، يهرع عناصر الدفاع المدني إلى الموقع المستهدف. يتسلقون الركام أو يبحثون بأيديهم وما توفر لهم من معدات تحت الأنقاض عن ناجين محتملين أو جثث ضحايا.

ومن بين المشاهد التي تم تداولها في يوليو/تموز 2014، تلك التي يظهر فيها خالد المتطوع في الدفاع المدني وهو يعمل بيديه على إزالة الركام عن الرضيع محمود شهران من مبنى دمرته غارة جوية في حلب بعد 12 ساعة من العمل المضني، قبل أن يحمله والدموع تغطي وجنتيه.

وبعد عامين على تداول صورته، قتل خالد في غارة على شرق حلب في أغسطس/آب الماضي لينضم إلى 142 متطوعا قضوا في سوريا منذ اندلاع النزاع. وترك خلفه زوجة وطفلتين. 
 

وسط الأنقاض يواصلون عملهم (الأوروبية)

ويبلغ عدد عناصر الدفاع المدني نحو ثلاثة آلاف متطوع وناشط في مناطق سيطرة الفصائل المعارضة في سوريا، بينهم خبازون وأطباء ونجارون وطلاب، اختاروا التطوع مخصصين وقتهم لتعقب الغارات والبراميل المتفجرة بهدف إنقاذ الضحايا.

وبدأت المنظمة العمل في عام 2013 بعد تصاعد حدة النزاع الدامي الذي بدأ بحركة احتجاج سلمية في مارس/آذار 2011 قمعها النظام بالقوة.

ومنذ عام 2014 بات متطوعو المنظمة يعرفون باسم "الخوذ البيضاء"، نسبة إلى الخوذ التي يضعونها على رؤوسهم. وفي العام 2016، انضمت 78 متطوعة -بعد تلقيهن تدريبات في الرعاية الطبية وعمليات البحث والإنقاذ الخفيفة- إلى الدفاع المدني السوري.

وبعد أكثر من خمس سنوات على اندلاع النزاع السوري، بات للمجموعة 120 مركزا تتوزع على ثماني محافظات سورية، وتحديدا في المناطق التي تسيطر عليها الفصائل المعارضة والمقاتلة.

وتتلقى المنظمة تمويلا من عدد من الحكومات بينها بريطانيا وهولندا والدانمارك وألمانيا واليابان والولايات المتحدة، كما تصلها تبرعات فردية لشراء المعدات والتجهيزات وبينها الخوذ البيضاء التي تبلغ كلفة كل واحدة منها حوالي 145 دولارا.

أما شعار الخوذ البيضاء فهو "ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا"، المقتبس من قول الله تعالى في القرآن الكريم: "من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض، فكأنما قتل الناس جميعا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا" [المائدة: 32].

المتطوعون في الخوذ البيضاء يؤكدون استقلاليتهم وحيادهم (رويترز)

وتؤكد الخوذ البيضاء أن متطوعيها يخاطرون بحياتهم "لمساعدة أي شخص بحاجة للمساعدة بغض النظر عن انتمائه الديني أو السياسي".

لكن في بلد يشهد انقسامات حادة وحربا مدمرة، تتعرض المنظمة لانتقادات خصوصا من الموالين لنظام بشار الأسد، ويتهمها البعض بأنها أداة في أيدي المانحين الدوليين والحكومات الداعمة للمعارضة السورية.

ويذهب آخرون إلى القول إن مقاتلين ينضوون في صفوفها، لكن كثيرين ينظرون إلى متطوعي الدفاع المدني على أنهم "أبطال حقيقيون" من الواقع، هاجسهم الأول والأخير هو إنقاذ الضحايا.

أما مدير الدفاع المدني رائد الصالح فيقول "نحن مستقلون، حياديون وغير منحازين. ولسنا مرتبطين بأي جهة سياسية أو مجموعة مسلحة، فنحن في خدمة الضحايا ومن مسؤوليتنا وواجبنا العمل من أجل الضحايا".

المصدر : الفرنسية