أيمن الزبير-مدريد


بين سحابة من المصورين والصحفيين، فاجأ الزعيم السابق للحزب الاشتراكي بيدرو سانتشيث أنصاره ومنتقديه بنبرة هادئة بعد نصف يوم من الاجتماعات "بالنسبة لي كان شرفا أن أتزعم الحزب الاشتراكي، لكنني الآن أقدم استقالتي"، كلمات مقتضبة حاول من خلالها أستاذ الاقتصاد بجامعة "كاميلو خوسيه ثيلا" إغلاق ما يوصف بأحلك صفحات تاريخ اليسار الإسباني.

هذا الوداع المعلن مطلع شهر أكتوبر/تشرين الأول، لم يكن ليتحقق لولا استقالة 17 عضوا من اللجنة التنفيذية للحزب الاشتراكي، الذي يُعتبر أيقونة الانتقال الديمقراطي في إسبانيا وأحد الدعائم المركزية للاستقرار السياسي بالبلاد.

تقول العضو السابق بالحزب الاشتراكي بياتريث تاليغون "هذه الاستقالة يمكن توصيفها بالانقلاب المُقنّع على سانتشيث الذي رفض الانبطاح للوبيات الاقتصادية والسماح بتشكيل حكومة محافظة يترأسها زعيم الحزب الشعبي المحافظ ماريانو راخوي".

وتؤكد تاليغون انتفاء الممارسات الديمقراطية داخل هذه القوة السياسية التي يهيمن عليها الآن بيروقراطيون لا يهمهم سوى الاحتفاظ بمناصبهم وإرضاء قوى اقتصادية فاعلة ترفض تشكيل حكومة ائتلاف يسارية التوجه.

تاليغون: سانتشيث رفض الانبطاح للوبيات الاقتصادية (الجزيرة نت)

كلمات يسهل سماعها في أوساط المنتسبين لهذا الحزب، الذي يُعتبر إقليم الأندلس أحد معاقله الرئيسية، لذلك ربما تتجه الأنظار الآن إلى مدينة إشبيلية حيث حُبِكت -بحسب تاليغون- مؤامرة إسقاط زعيم الحزب الاشتراكي.

مخرج مهني
وتضيف المتحدثة أنه "في الفرع الأندلسي للحزب الاشتراكي تحول الانتماء لهذه القوة السياسية إلى مخرج مهني للعديد من المواطنين، فأبرز قياداته ليس لديهم أي تكوين أكاديمي ومنذ نعومة أظفارهم لم يمارسوا أي مهنة سوى الحصول على مناصب بلدية.

وتعتبر تاليغون أن "الحكومة الإقليمية مكنتهم من تأمين دخل ثابت، لكنها أبعدتهم عن مشاكل البسطاء وأبجديات الفكر اليساري"، معبرة عن خشيتها أن يلقى الاشتراكيون الإسبان المصير نفسه لنظرائهم اليونانيين في حزب "باسوك" الذي تحول إلى ممثل ثانوي في برلمان أثينا.

ولا يبدو امتعاض تاليغون مؤثرا في أوساط إدارة تصريف الأعمال التي عيّنها التيار المعارض لبيدرو سانتشيث في أعقاب استقالته لإخراج هذا التشكيل السياسي من نفقه المظلم إلى حين عقد مؤتمر عام استثنائي للحزب.

وفي هذه المحطة المفصلية، يُتوقع أن يعود بقوة اسم سوسانا دياث، بائعة الماكياج السابقة ورئيسة الحكومة الإقليمية في الأندلس التي خططت -حسب تاليغون- لإسقاط سانتشيث مستفيدة من نتائج إيجابية ما زال يحققها الاشتراكيون الأندلسيون في الانتخابات الإقليمية ومن "نظام المحسوبية" الذي يُتهم الاشتراكيون الإسبان بتطبيقه في واحد من أفقر الأقاليم الإسبانية.

دي أوغارتي: أزمة الحزب الاشتراكي كشفت عن غياب المهنية في تعاطي بعض وسائل الإعلام (الجزيرة نت)

وتستنكر تاليغون أن "الوضع بالأندلس يلخص أو يكاد الأزمة التي وصل إليها الحزب الاشتراكي، فعوضا عن منح فرص للكفاءات وللأصوات المستقلة يفضل كبار زعماء الحزب مصالحهم الشخصية ودعم حلفائهم حتى وإن كانت أفكارهم بعيدة عن مبادئ اليسار"، كما تعيب على بعض وسائل الإعلام طمس هذه الحقائق والمشاركة فيما تصفه بإذكاء الخلاف في أوساط الحزب.

غياب المهنية
هذه الاتهامات لا ينفيها إنييغو ساينث دي أوغارتي نائب مدير صحيفة "الدياريو" الإلكترونية، الذي يرى أن أزمة الحزب الاشتراكي كشفت عن غياب المهنية في تعاطي بعض وسائل الإعلام مع الأمر.

ويقول دي أوغارتي "من حق مجموعة بريسا الإعلامية التي كانت في السابق مقربة من الحزب الاشتراكي أن تتبنى الخط التحريري الذي يناسبها، لكنها خلال أزمة الحزب الاشتراكي اتخذت موقفا ضد بيدرو سانتشيث عبر وصفه بأقذع النعوت وتحميله وزر ما آلت إليه الأوضاع في حزبه".

ويرى دي أوغارتي أن هذه المواقف الإعلامية مردها الخوف السائد في أوساط بعض الجهات النافذة في إسبانيا من اقتراب الحزب الاشتراكي من تكوين ائتلاف مع تحالف "أونيدوس بوديموس" اليساري المتشدد، لتشكيل الحكومة الإسبانية الجديدة.

وحسب تاليغون، لم يكتب لهذا التحالف النجاح في القريب العاجل، مؤكدة وجود تيار بين الاشتراكيين يبحث عن حل بديل قد يكون إنشاء حزب يساري آخر يقوم على أنقاض الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني القديم.

المصدر : الجزيرة