تلعب الأسرة دورا أساسيا في رأب أي صدع قد تحدثه المماحكات الحزبية داخلها أثناء الحملة الانتخابية وفي غيرها، لأن الأسرة -رغم ما شهدته من تحولات عميقة- يبقى لها دور وإشعاع يتجاوزان السياسة.

الجزيرة نت-الرباط

في فترة استراحة بعد الانتهاء من تغطية مهرجان خطابي حزبي، سألت الصحفية المغربية خديجة عليموسى -بنبرة مزاح- زوجها عبد الحق العظيمي هل ما يزال مقتنعا بالتصويت لحزبه الاتحاد الدستوري في الانتخابات البرلمانية التي تجرى الجمعة؟ واجه الزوج السؤال ببرودة دم، وأجابها بكل هدوء وهو يبادل مزاحها بابتسامة خفيفة "أنت تعرفين قناعتي منذ أن قررنا الزواج".

خديجة وعبد الحق صحفيان يجمعهما سقف بيت واحد، لكن سقفيهما السياسيين يختلفان، فهي تؤيد حزب العدالة والتنمية وزعيمه رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران، بينما ينتمي زوجها إلى حزب الاتحاد الدستوري المعارض.

اتفاق مبدئي
اتفق الزوجان منذ البداية أن يحتفظا بحريتهما في الانتماء السياسي، وألا يؤثر ذلك على علاقاتهما الزوجية والعائلية، ولم يشددا على شيء يوم اتفقا على الزواج أكثر من تشديدهما على هذا الموضوع.

ورغم أنهما كلما اجتمعا كان النقاش السياسي ثالثهما، فإنه لا يخرج أبدا عن إطاره الفكري، ولا يمتد ليزعزع استقرارهما الأسري الذي يفتخران به.

وقد حضرت الجزيرة نت بعضا من نقاش الزوجين في جلسة بمنزلهما في مدينة سلا التي لا يفصلها عن الرباط سوى نهر أبي رقراق، إذ عاتبت خديجة الصحفية في يومية "المساء" زوجها بسبب "مبالغته في انتقاد الحكومة والبحث عن مبررات شتى لذلك"، في حين يرى عبد الحق أنه "يقوم بواجبه الذي تمليه عليه المهنية والموضوعية".

تقول خديجة إن "علاقتنا الزوجية وأسرتنا أسمى من كل الاختلافات"، وترى أن هذه العلاقات "أقوى من أن تهزها أي اختلافات ومناقشات وجدالات قد تحدث بيننا بسبب اختلاف الميول السياسية، خاصة في المحطات الانتخابية".

إحدى الحملات الانتخابية لحزب الاستقلال (الجزيرة)

العائلة الكبيرة
وتعتز الصحفية المغربية بأن تباين الميول السياسية يتجاوز أسرتها الصغيرة إلى العائلة الكبيرة، وتقول إنها كبرت في مدينة تادلة وسط البلاد في جو الاختلاف السياسي وترعرعت فيه، فوالدها البالغ نحو سبعين عاما عضو في حزب الاتحاد الاشتراكي منذ شبابه، وأخوها الأكبر يقاسمه الانتماء نفسه، في حين ينتمي الأصغر إلى حزب الاستقلال.

والأمر نفسه ينطبق على عائلة زوجها، فصهرها كان عضوا بمجلس بلدية عن حزب الأصالة والمعاصرة، وزوجة أخيها عضوة بمجلس بلدية أيضا عن حزب الاستقلال.

وتتذكر خديجة كيف كانت الانتخابات تذكي الانتقادات والملاحظات والهمز واللمز بين أفراد أسرتها، وتقول "الكل كان ينخرط في الحملات الانتخابية لحزبه، وكل منا كان يحاول بطريقته التقليل من فرص فوز أو نجاح حزب الآخر، ويسعى لاستمالة باقي أفراد الأسرة".

أسرة في تمارة
وفي مدينة تمارة بضواحي العاصمة المغربية، لا تخفي زوجة أخرى -طلبت عدم ذكر اسمها- غضبها لأنها لم تستوعب بعدُ كيف أقنع زوجها بدر آيت مبارك والديها بالتصويت لفائدة حزب العدالة والتنمية الذي ينتمي إليه.

وتنتمي هذه الزوجة إلى عائلة جل أفرادها أعضاء في حزب الاستقلال، وزوجها عضو نشيط في حزب العدالة والتنمية، لكن ذلك لا يمنعهما من العيش في سكينة واحترام ومودة لا يفسدها تباينهما السياسي.

استطاع بدر أن يصرف انتباه زوجته عن أمر نجاحه في استقطاب والديها، وقال "التصويت يكون للأصلح والأنسب بعيدا عن الحزبية الضيقة"، قبل أن يعبر عن دهشته واستغرابه لقرار زوجته التصويت لمرشح العدالة والتنمية في اللائحة المحلية ولمرشح الاستقلال في اللائحة الوطنية.

وبدورها، اندفعت الزوجة لإبداء رأيها وعدم اقتناعها بمرشح حزبها لمعرفتها "بفساده"، ثم مضت تنتقد بعض قرارات حكومة بنكيران، وعبرت عن استيائها من واقعة انسحاب حزب الاستقلال من الحكومة عام 2013، وحسرتها على أفول نجم حزبها.

من الحملة الانتخابية لحزب العدالة والتنمية (الجزيرة)

جلسة سياسية
وفي مدينة القنيطرة (30 كلم شمال الرباط)، بدت الجلسة العائلية التي جمعت أسرة عصام نهاية الأسبوع الماضي في بيت والديه سياسية بامتياز، وهم يناقشون تفاعلات الحرب الانتخابية المستعرة هذه الأيام.

عصام متفائل ويتوقع أن يصبح حزب الأصالة والمعاصرة "بديلا حداثيا" لقيادة حكومة المرحلة المقبلة عقب حكومة قال -وهو يحاور أسرته- إنها "فشلت في تدبير المرحلة، وإن مشروعها لا يتطابق مع طموحات المغاربة".

وبنبرة متوترة، وصفت أخته سناء الصحفية بجريدة أسبوعية توقعاته بأنها "واهمة"، وانبرت تعدد ما تراه من "إنجازات تؤهل حزب العدالة والتنمية لأن يقود الحكومة لولاية ثانية"، إلا أنه قاطعها قائلا "ما تسمينه إصلاحات للأسف استهدفت الطبقة المتوسطة".

وتدخلت والدتهما لتلوم بدر على مهاجمة بنكيران، وقال إنه يكفيه أنه خصص منحا للأرامل والمطلقات، فرد الابن "وهل دفع لهن شيئا من جيبه؟". وفي آخر المطاف طلبت سناء إيقاف النقاش.

وفي قراءة لظاهرة المماحكات الحزبية داخل الأسرة الواحدة، يرى أستاذ علم الاجتماع بجامعة محمد الخامس في الرباط عبد العزيز قراقي أن الأسرة "تلعب دورا أساسيا في رأب أي صدع قد تحدثه الانتخابات"، مشيرا إلى أن "الأسرة المغربية -رغم ما شهدته من تحولات عميقة- ما يزال دورها وإشعاعها يتجاوزان السياسة".

المصدر : الجزيرة