ترى الحكومة البريطانية أن انسحابها من قانون حقوق الإنسان الأوروبي يسدّ الطريق أمام آلاف الملاحقات القانونية للجنود البريطانيين، التي تُسبّب لهم ضغوطا نفسية كبيرة وتكلّف وزارة الدفاع ملايين الجنيهات، في حين يرى المعارضون أن الانسحاب سيوفر حماية أقل للجنود.

العياشي جابو-لندن

أثار قرار الحكومة البريطانية عزمها استثمار خروجها من الاتحاد الأوروبي لحماية جنودها وقواتها العسكرية من ملاحقات القوانين الأوروبية "المزعجة أو التعسفية" عند مشاركتهم في نزاعات أو حروب خارجية، جدلا واسعا في البلاد.

وترى الحكومة أن انسحابها من قانون حقوق الإنسان الأوروبي يسدّ الطريق أمام آلاف الملاحقات القانونية للجنود البريطانيين التي تُسبّب لهم ضغوطا نفسية كبيرة وتكلّف وزارة الدفاع ملايين الجنيهات.

في المقابل، ترى مصادر حقوقية بريطانية في هذه الخطوة أنها رجعية ولن تخدم سمعة بريطانيا على المستوى الدولي، بل ستمنح أرضية للآخرين لاتهامها بالكيل بمكيالين.

وأوضحت الحكومة على لسان وزير دفاعها مايكل فالون خلال المؤتمر السنوي لحزب المحافظين في مدينة برمنغهام، أن هذا القانون أسيء استخدامه من قبل أشخاص يريدون إلحاق الأذى النفسي بالجنود، "ولا ينبغي لنا أن نظل متفرجين حيال ملاحقات غير صحيحة".

وأضاف أن وزارة الدفاع البريطانية دفعت 128 مليون دولار قيمة التعويضات منذ عام 2004، لأن قانون الاتحاد الأوروبي لحقوق الإنسان تم تمديده ليشمل مناطق النزاع نتيجة إلحاح بعض المؤسسات القانونية.

ثغرات قانونية
وتحاول الحكومة استغلال ثغرة في قانون حقوق الإنسان ذاته، لأن قوانين المجلس الأوروبي المشرفة على المؤسسة القانونية تسمح بإمكانية عدم التقيد بقانون حقوق الإنسان أو الانسحاب منه مؤقتا في أوقات الحروب أو في حالة الطوارئ، ومع ذلك فإن القانون لا يسمح بتجاوز بعض بنود الحقوق الأساسية مثل استخدام التعذيب أو بعض الانتهاكات الأخرى.

من ناحية أخرى، يرى مراقبون أن الحكومة تريد من هذا القرار أن تبعث برسالة إلى مواطنيها مفادها أنها تريد أن تتحكم بالقوانين، ولا تريد تدخلا من الاتحاد الأوروبي في قضاياها بما في ذلك القوانين التي تخص القوات العسكرية.

وهذه الخطوة -يقول عنها منتقدوها- إنها تريد إيهام الرأي العام البريطاني بأن القوانين الأوروبية بيروقراطية ومُعرقلة في طبيعتها.

ويقول البروفيسور في القانون الدولي بجامعة لانكستر جيمس سويني إن إعلان وزير الدفاع لا صلة له في واقع الأمر بحماية القوات البريطانية، وإنما له صلة بحماية وزارة الدفاع ذاتها من الملاحقة والتعويضات.

وأضاف في حديث للجزيرة نت أن القوانين الأوروبية تسمح باتخاذ إجراءات ضد الحكومة عندما تفشل في حماية حقوق الإنسان، لكنها لا تجبر بريطانيا على السماح بملاحقات متعسفة ضد أفراد القوات العسكرية بأنفسهم.

فالون (وسط) أكد أن القرار سيوفر حماية للجنود من ملاحقات قانونية (الجزيرة)

حماية أقل
ويرى سويني أن الانسحاب من قوانين حقوق الإنسان الأوروبية سيمنح القوات البريطانية حماية أقل، مضيفا أن المحكمة البريطانية العليا استندت إلى ذات القوانين في اتخاذ إجراءات ضد إهمال وزارة الدفاع في توفير معدات تحميهم من جروح بالغة أو حتى من الموت.

وتابع أن محاكمة الجنود واتهامهم بجرائم حرب مثلا تبتّ فيه اتفاقيات جنيف وليس محكمة حقوق الإنسان الأوروبية، وليس هناك ما يشير إلى أن بريطانيا تريد التخلي عن الالتزام باتفاقيات جنيف.

من جهتها، قالت مديرة منظمة "ليبرتي" لحقوق الإنسان مارثا سبيرييه إن غالبية الملاحقات القضائية ضد الجنود البريطانيين لا علاقة لها بالتعسف، وإنما استندت إلى بنود القانون الخاصة بمنع التعذيب، في إشارة إلى ملاحقات قضائية للقوات البريطانية بعد حربي العراق وأفغانستان.

وأضافت سبيرييه أن المفارقة هي أن الحكومة البريطانية تحاول الانسحاب من التزامات حقوقية في حروب هي التي اختارت خوضها مثل حربي العراق وأفغانستان باسم الدفاع عن حقوق الإنسان.

المصدر : الجزيرة