رغم البداية المبكرة للتنافس والاستقطاب الانتخابي في المغرب على مقاعد البرلمان فإن مراقبين يرون أن ذلك لم يكن مصحوبا بقدر كاف من المنافسة الشريفة والوعي السياسي، الأمر الذي انعكس على الاهتمام بالأشخاص والذوات أكثر من البرامج والمشاريع.

محمد عيادي-الرباط

رغم أن المسار الانتخابي انطلق في المغرب منذ ستينيات القرن الماضي فإن أهمية البرامج المطروحة لم تتكرس بعد في الحملات الانتخابية، خاصة الانتخابات التشريعية، إذ لا تزال أهمية الشخص المرشح وشعبيته وتأثيره طاغية على البرنامج الانتخابي.

ورغم التطور الطفيف في السلوك الانتخابي خلال العقد الأخير فإن جل الأحزاب السياسية ما زالت متمسكة بالطرق التقليدية في التركيز على مرشح صاحب نفوذ مالي (رجل أعمال أو ثري) أو قبلي -من يصطلح عليهم بالأعيان- أو له شعبية في دائرته الانتخابية أكثر من التركيز على الكفاءة والنضالية.

ورغم محاولات أحزاب سياسية إسلامية و يسارية التركيز في حملاتها الانتخابية على الأفكار والبرامج لكنها محاولات لم تغير المناخ العام أو سمة التركيز على الشخص المرشح أكثر من برنامج حزبه السياسي، وهو ما يجعل فئة من المواطنين تعتقد بتشابه برامج الأحزاب السياسية، لأنهم لا يميزون بين منطلقاتها الفكرية أو الأيديولوجية.

الجرموني: الأحزاب السياسية بكل تلاوينها تركز على أهمية الشخص وليس أهمية البرنامج الانتخابي (الجزيرة نت)

مسؤولية الأحزاب
ويرى المؤرخ والكاتب محمد الناجي أن الأمر لا يتعلق بالمواطنين الناخبين بل بالأحزاب السياسية ومسؤوليتها، وقال للجزيرة نت إن انحصار النقاش بين حزبين وطرفين أساسيين في نهاية المطاف -وهما الإسلاميون والسلطة- يعني غياب نقاش البرامج الانتخابية أو المشاريع لأن مستوى النقاش نزل منذ البداية إلى التعرض لخصوصيات الأشخاص.

ويضيف الناجي أن الأحزاب السياسية نفسها محورت النقاش حول الأشخاص بسلوكهم وأخلاقهم ونزاهتهم، وأن حزب الأصالة والمعاصرة -على سبيل المثال- بشخصنة النقاش حصر نفسه في هذا الحيز، وهو الأمر الذي "استثمره" حزب العدالة والتنمية وركز على استقامة أعضائه الذين تولوا مسؤوليات وعدم اغتنائهم من مناصبهم أو تغير سلوكياتهم ومعاملاتهم بسبب المسؤولية.

وأوضح المؤرخ أن أسلوب الأمين العام لحزب العدالة والتنمية المغربي عبد الإله بنكيران في التواصل ليس بسيطا كما يعتقد البعض، بل يستعمل لغة القرب التي يفهمها المواطنون حين يتكلم عن أمور خاصة، من قبيل حديثه عن تفاصيل حياته الشخصية كتجديد بيت الضيافة في محل سكناه وبالتالي عدم فتح نقاش في جوانب اقتصادية أو غيرها.

وقال إنه بالنظر للخيبات التي عاشها الناخب المغربي في علاقته بالسياسيين بات يريد أولا رجالا أو أشخاصا سياسيين نزهاء، ويهتم أكثر بسيرة المرشح أكثر من اهتمامه بالبرنامج الانتخابي.

الناجي: غاب نقاش البرامج الانتخابية لأن مستوى النقاش نزل منذ البداية إلى التعرض لخصوصيات الأشخاص (الجزيرة نت)

الثقافة السياسية
من جانبه، يؤكد الباحث في علم الاجتماع السياسي رشيد الجرموني أن الأحزاب السياسية بكل تلاوينها تركز على أهمية الشخص وليس أهمية البرنامج، خاصة في الانتخابات التشريعية، وقال للجزيرة نت إنه رغم مواكبة المغرب لتجربة انتخابية لأكثر من خمسين سنة لكن ذلك لم يغير ظاهرة الارتباط بأشخاص المرشحين في اتجاه الاهتمام بالبرامج الانتخابية ومضامينها.

وأضاف أن هذا يعكس حقيقة واضحة تتعلق بغياب ثقافة سياسية وسط الشريحة الناخبة بشكل عام، وهي الثقافة التي تتعلق بالانخراط في الأحزاب السياسية والاهتمام بالشأن العام، كما أن الدولة هي الأخرى ساهمت في تكريس ذلك بتحكمها في القرارات الأساسية الكبرى، وإعطاء الانطباع منذ سنوات بأن الأحزاب السياسية مهما بلغت برامجها السياسية من جودة ونوعية فهي تتبارى فقط لتأثيث المشهد السياسي.

وقال الجرموني إن تقديم الأحزاب السياسية برامجها الانتخابية في الإعلام العمومي في دقائق معدودات لا يمكن الناخبين من معرفة تلك البرامج ودراستها والمقارنة بينها لأنها عملية تحتاج لجهد فكري، وهنا يجب التفريق بين ارتفاع مستوى الاهتمام بالسياسة وبين ارتفاع منسوب القراءة والتحليل، وحتى بعض المنخرطين في الحملات الانتخابية لكل الأحزاب السياسية بدون استثناء فيهم من لا يعرفون البرنامج الانتخابي وتفاصيله.

وأكد المتحدث أنه لا يمكن الحديث عن مناقشة البرامج الانتخابية وتأثيرها في الناخبين دون وجود أجواء ديمقراطية حقيقية ومنافسة شريفة.

المصدر : الجزيرة