حاوره: الحسن أبو يحيى ـ الرباط

يرى وزير الشؤون الخارجية المغربية الأسبق ورئيس المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية سعد الدين العثماني أن ما يمكن أن تستفيده التنظيمات الإسلامية في العالم العربي من التجربة المغربية هو الحرص على أن يكون التنافس السياسي والاختلاف في التوجه والرأي تحت سقف الوطن وفي إطار مصالحه العليا.

ويتحدث العثماني في حوار مع الجزيرة نت عن عوامل نجاح المغرب في إدماج الإسلاميين في وقت سقطت حكومات مماثلة في المنطقة، كما يتحدث عن حقيقة السعي نحو تحجيم حزبه، ومدى اطمئنانه للنتائج المتوقعة ليلة الجمعة القادمة.

 شهد المغرب إدماجا للإسلاميين في العمل السياسي دون توتر ولا مشاكل أمنية، إذ يرأس حزبكم الحكومة منذ خمس سنوات في حين أسقطت حكومات مماثلة في المنطقة، فكيف تقرؤون هذا؟

المغرب دولة عريقة تمتد لأزيد من 12 قرنا، وهو ما يعطيها مقومات الاستقرار والتلاحم وخبرة في تدبير التنوع والاختلاف، ولا يخفى أن المغرب تميّز بالانفتاح السياسي والتعددية الحزبية منذ فجر الاستقلال، ولم يعرف النظام العسكري أو السياسي المغلق مثل الدول التي تعيش اليوم فتنا وأزمات أمنية حادة.

كما أن لتفاعل المغرب المتواصل ثقافيا واجتماعيا وسياسيا مع تيارات التحديث في الغرب أيضا دورا في النضج النسبي للتجربة السياسية المغربية، وتبني الدولة ومجمل التيارات السياسية والمجتمعية للديمقراطية، وذلك على الرغم من الصعوبات وعدد من الاختلالات.

 ما أبرز الخلاصات التي يمكن للتنظيمات الإسلامية في العالم العربي أن تستفيدها من التجربة المغربية؟

أولا، يجب أن يتسع صدر الفاعلين السياسيين للمخالفين في التوجه الفكري وفي الانتماء السياسي، وأن يعملوا بمنطق الانتماء للوطن المشترك، وبالتالي البحث أساسا عما يجمعهم لا عما يفرقهم. فالاختلاف في التوجه والرأي، والتنافس السياسي يجب أن يبقيا تحت سقف الوطن، وفي إطار مصالحه العليا.

سعد الدين العثماني (يسار) رفقة الأمين العام لحزبه ورئيس الحكومة عبد الإله بنكيران في افتتاح الحملة الانتخابية (الجزيرة)

هذا من حيث منهجية التعامل وأسلوب العلاقات، وأما فيما يخص التوجه الفكري فالمطلوب من الجميع الاتجاه نحو فرز توافقات تدمج العناصر الإيجابية لدى مختلف التوجهات (قومية أو وطنية أو إسلامية أو اشتراكية أو غيرها)،  فالانغلاق داخل التوجه الواحد يولد سلبيات ناتجة عن التشدد في مفاهيم قد تكون إيجابية في أصلها، لكنها قد تتحول إلى عناصر سلبية إذا ما أخذت بغلو وإفراط.

 الأمين العام لحزبكم هو المسؤول سياسيا عن الإشراف على الانتخابات باعتباره رئيسا للحكومة، لكن سبقتها إجراءات فسرها قياديون من حزبكم ومراقبون آخرون على أنها موجهة ضد الحزب وتسعى لتحجيم نتائجه، فهل أنتم مطمئنون لنزاهة اقتراع 7 أكتوبر/تشرين الأول؟

نحن نثق في بلدنا وفي مؤسساتنا الوطنية، ونثق بالتالي في نزاهة هذا الاقتراع في المجمل، أما وجود اختلالات هنا وهناك، وقيام بعض المرشحين أو بعض الأحزاب بتجاوزات ومخالفات للقانون، فهذا ما لا تخلو منه الانتخابات في أي بلد في العالم، وخصوصا في دول الجنوب، وهو ما نحرص مع حلفائنا على تعريته ومقاومته.

 يرى البعض أن هناك محاولات جارية لإخراجكم من الساحة السياسية بسلاسة كما أدمجتم فيها بسلاسة، ويقول أصحاب هذا الرأي إن الإجراءات التي اتخذت في الإعداد للانتخابات الحالية هي مقدمة لإخراج نتائج على المقاس تقصيكم من رئاسة الحكومة المقبلة وتعيدكم إلى المعارضة، ما رأيكم في ذلك؟

حزب العدالة والتنمية حزب تصدر المشهد السياسي برغبة المواطن المغربي الذي صوت عليه ومنحه ثقته، أما دعوات الاستئصال فقد باءت بالفشل، ومن لجؤوا إليها لوقف تطور حزبنا قد تكسرت أهواؤهم على صخرة المؤسسات الوطنية ويقظة شعبنا.  

وأما ما تحدثتم عنه من إمكانية إخراجنا من الساحة، فهو من أماني خصومنا السياسيين، وعلى الرغم من بعض الضجيج الإعلامي المروج لذلك إلا أن الواقع يخالفه تماما. والراجح جدا أن يتصدر حزب العدالة والتنمية الانتخابات، لكن إذا اقتضت نتائج الانتخابات أن نخرج للمعارضة فهذا ليس نهاية التاريخ. 

لقد أمضينا أكثر من عقد من الزمن في المعارضة، وبالنسبة لنا لا يطرح الرجوع إليها وفق القواعد الديمقراطية أي مشكلة.

هذا مع الإشارة إلى أننا نعتبر عمل الحكومة التي رأسناها إيجابيا من حيث العموم، ويحفزنا على دعوة المواطنين إلى التصويت لنا بكثافة لننال ثقتهم، ونشكل الحكومة المقبلة لنتمكن من متابعة عدد من الإصلاحات التي بدأت.

سعد الدين العثماني قرب المقر المركزي لحزب العدالة والتنمية (الجزيرة)

 المتابعون للشأن المغربي يقولون إن هناك جهات معينة في البلاد تسعى بكل الأشكال إلى إغلاق قوس ما يسمى الربيع العربي، ما موقع حزبكم في هذا الحراك، وكيف تتصرفون لإبقاء جذوة ذلك الربيع؟

لا شك أن هناك من يقاومون الإصلاحات التي عرفها المغرب، ويعملون على عودة كثير من العناصر السلبية في تدبير الشأن العام وفي تدبير الانتخابات، لكن يبدو أن عموم الطبقة السياسية وعموم المغاربة واعون بخطورة ذلك، ويعملون على تفاديه.

وأشير إلى أن المغرب عرف ربيعه الخاص به بسمات وديناميكية خاصة، وهناك حيوية في المجتمع المدني المغربي المتنوع للدفاع عن مكتسبات المرحلة السابقة، وهو المعول عليه أساسا ليميل الكفة ويمنع أي نوع من التراجعات.

 مرت خمس سنوات على الربيع العربي في المغرب، وما زالت الشعارات التي رفعها المحتجون قائمة (إسقاط الفساد والاستبداد)، فماذا تحقق من هذه الشعارات في ظل الحكومة التي يقودها حزبكم؟

لقد تحقق منها الكثير وبقي الكثير، ويكفي القول إننا ولأول مرة أصبحنا لدينا مخطط وطني متوافق عليه لإصلاح منظومة العدالة، ويعتبر القضاء من أهم آليات وقف نزيف الفساد ومعاقبة المتلاعبين بالمال العام، وفي الوقت نفسه اتخذت تدابير لحماية الشهود والمبلغين، وارتفعت قضايا الفساد المالي المعروضة على القضاء بشكل غير مسبوق، كما وضعت الحكومة إستراتيجية وطنية لمقاومة الفساد بعد دراسات ومشاورات موسعة، ومن المنتظر أن يكون لتطبيقها تأثير كبير على تدبير هذا الملف في المستقبل.

كما بادرت الحكومة إلى العديد من الإصلاحات الاقتصادية، ومن المعروف أن أي إصلاح اقتصادي إذا كان يهدف إلى إرساء قيم النجاعة والشفافية في أي قطاع أو ميدان، يعتبر في الوقت نفسه إغلاقا لمنافذ الفساد في الشأن العام بمختلف أنواعه.

 هل أنتم مستعدون للدخول في ائتلاف حكومي مع غريمكم حزب الأصالة والمعاصرة إذا فرضت نتائج الانتخابات ذلك الأمر؟

حلفاؤنا في المرحلة المقبلة واضحون، وقد أعلناهم بشكل صريح وواضح، ونحن مستعدون كذلك للتعاون مع حساسيات سياسة أخرى نتشارك معها الحد الأدنى من الدفاع عن مصالح المواطنين والبناء الديمقراطي ومواجهة الإفساد الانتخابي.

أما حزب الأصالة والمعاصرة فقد بنى برنامجه كله منذ التأسيس على محاربتنا، واعتبر قياديوه أن التحالف معنا خط أحمر، وسلك في تنافسه السياسي أساليب مسيئة، لذلك لم يبق لنا خيار إلا عدم قبول التحالف معه.

المصدر : الجزيرة