شهدت الأيام الأخيرة تحركات داخل مضايا التي يقطنها نحو أربعين ألف شخص كان آخرها تعليق الهيئة الطبية عملها الأربعاء الماضي، للمطالبة بفك الحصار وإخراج الحالات المرضية الحرجة وإدخال المواد الغذائية والطبية عملا "باتفاق البلدات الأربع".

سلافة جبور-دمشق

لم يكن محمد -وهو ابن العشرة أعوام- يعلم أنه وبعد أيام من مشاركته في وقفة احتجاجية للمطالبة بفك الحصار عن بلدته مضايا سيصاب بطلقة قناص ممن يفرضون عليه وعلى رفاقه طفولة بائسة ليقع عن سطح منزله ويصاب كذلك بكسر في جمجمته.

ومحمد ليس الأول، فهذا الأسبوع وحده سقط عشرة من سكان تلك البلدة الجبلية الواقعة إلى شمال غرب العاصمة السورية دمشق ضحية أعمال قنص تنفذها حواجز نظام بشار الأسد وحليفه حزب الله اللبناني المحيطة بالبلدة، والتي تفرض عليها حصارا مطبقا منذ أكثر من عام.

وشهدت الأيام الأخيرة تحركات داخل البلدة التي يقطنها نحو أربعين ألف شخص كان آخرها تعليق الهيئة الطبية عملها الأربعاء الماضي، للمطالبة بفك الحصار وإخراج الحالات المرضية الحرجة وإدخال المواد الغذائية والطبية عملا "باتفاق البلدات الأربع".

ويشير هذا الاتفاق إلى الموافقة التي منحتها الحكومة السورية للأمم المتحدة في مايو/أيار الفائت لتقديم المساعدات الإنسانية إلى المدنيين المحاصرين في بلدات الزبداني ومضايا بريف دمشق، وكفريا والفوعة بريف إدلب الشمالي، وذلك بعد أشهر على توقيع اتفاق للهدنة في البلدات الأربع يقضي بوقف إطلاق النار وإدخال المساعدات وإجلاء أعداد من المرضى.

غير أن الأوضاع الميدانية المتوترة والقصف المستمر منعت من تنفيذ كامل بنود الاتفاق بالشكل الكافي، ورغم دخول عدة قوافل مساعدات للبلدات الأربع كان آخرها في سبتمبر/أيلول الفائت بقي الجوع والمرض سيدي الموقف بمضايا، ولا يزال عشرات المرضى ينتظرون الخروج لتلقي العلاج المناسب.

بلدة مضايا (الجزيرة)

وتحدثت الجزيرة نت للطبيب في المشفى الميداني بمضايا محمد درويش الذي أشار إلى أن خطوة تعليق عمل الهيئة الطبية تأتي في إطار الاحتجاج على عدم مسؤولية الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية تجاه واجباتها في حماية المدنيين وتحييدهم عن الصراع.

وأضاف درويش في حديثه أن "الوضع الصحي في البلدة يتدهور يوما تلو الآخر مع انتشار المزيد من الأمراض المعقدة، وعلى رأسها سوء التغذية والتهاب السحايا والفشل الكلوي، بسبب ضعف المناعة وانهيار الهرم الغذائي نتيجة الاعتماد على أغذية محدودة هي البرغل والأرز والحمص والفول، إضافة للإصابات والأمراض التنفسية الناتجة عن الاعتماد على حرق الحطب والبلاستيك والنايلون لأغراض التدفئة والطبخ".

وبحسب درويش، يعاني المشفى الميداني الوحيد من نقص في الكوادر الاختصاصية، حيث يعتمد على طبيبي أسنان وطبيب بيطري فقط، إضافة لفقدان مواد التشخيص والتحليل وأجهزة التصوير.

وأدت هذه الإمكانات المحدودة إلى وفاة عشرات المرضى، كان آخرهم شاب أصيب بطلق ناري منذ أيام، واضطر الأطباء لإجراء عمل جراحي له مع ضخ يدوي للأكسجين لأكثر من ثماني ساعات ليلقى حتفه بعد يومين.

وأشار الطبيب إلى أن هذه الحادثة المؤلمة كانت بمثابة "الشعرة التي قصمت ظهر البعير"، حيث قرر الكادر الطبي بعدها تعليق العمل والاستمرار فقط في علاج حالات الإسعاف والعناية المشددة، في محاولة للضغط على الأطراف المعنية للتوقف عن تسييس الأعمال الإنسانية.

وقال "لم يعد من المقبول اضطرارنا للجوء لأطراف عسكرية وسياسية لإجلاء المرضى، أو تسييس المساعدات التي نحصل عليها واقتصارها على أنواع محدودة جدا من الأدوية والأغذية، ونأمل أن نتمكن من الضغط لإدخال المزيد من المساعدات الطبية أو السماح بدخول فريق طبي أو عيادات متنقلة تابعة للهلال الأحمر السوري بشكل دوري".

وفي سياق متصل، أكد عبد الوهاب أحمد -وهو ناشط إعلامي في منطقة الزبداني ومضايا- تخوف السكان من حلول فصل شتاء جديد تحت الحصار، مما يعني تكرار حالات الوفاة من المرض والبرد والتي شهدتها البلدة التي تمتاز بمناخها البارد العام الماضي.

وأضاف الناشط للجزيرة نت أن "خبر إغلاق النقطة الطبية لم يكن بالمفاجئ مع عجزها في الفترة الأخيرة عن توفير العلاجات الضرورية بسبب الحصار، ويأمل الأهالي في أن تشكل هذه الخطوة نقطة تحول في أوضاعهم رغم يقينهم بأن المدنيين هم آخر من يدخل في حسابات لعبة السياسة والحرب".

المصدر : الجزيرة