محمد محسن وتد-كفر قاسم

لم يتمالك السبعيني محمود عامر نفسه حين دخل "بانوراما الشهداء" التي دشنت لإحياء الذكرى الـ60 لمجزرة كفر قاسم، التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي عشية العدوان الثلاثي على مصر، فاختار مغادرة المكان باكيا قبيل سماع الأوامر العسكرية التي تعلن عن حظر التجوال.

قبيل المحطة الثانية من "بانوراما الشهداء"، استذكر الحاج محمود ما حصل يوم 29 أكتوبر/تشرين الأول 1956، كان عمره حينئذ أحد عشر عاما حيث عاد أدراجه من الكتّاب سريعا للمنزل ليحتمي بحضن والدته بعد أن طاردته فوهات بنادق جيش الاحتلال الإسرائيلي، وفي وقت ارتقى والده الحاج صالح شهيدا، نجا هو من الموت بأعجوبة.

غادر الحاج محمود المكان، بيد أن مشاهد المجزرة تأبى إلا أن تعيش بوجدانه، ساردا للجزيرة نت الأسباب التي دفعته للمغادرة، ومبينا أنه طوال السنوات كانت أهوال المجزرة تعكس معاناته وآلامه وكان يعيشها بكافة تفاصيلها، لكن "بانوراما الشهداء" فجرت مشاعره وأعادته إلى الوقائع والحقائق التي عاشها قبل ستة عقود.

لم يكن بمقدور السبعيني الناجي من فوهات البنادق سماع صوت المنادي في "بانوراما الشهداء" وهو يعلن عن حظر التجوال، فما تبعها من محطات حركت مشاعره ونشطت ذاكرته وكأن المجزرة تحدث للتو، قائلا "تراجعت قبيل صوت المنادي لحظر التجوال، من الصعب علي العيش ثانية لحظات الخوف والهلع والمصير المبهم وأصوات الرصاص الكثيف والجثث المتكدسة".

الحاج محمود عامر (71 عاما) الناجي من المجزرة التي استشهد فيها والده (الجزيرة)

توقيت وأسباب
ليس من الممكن فهم معاني ودلات المجزرة التي كانت حصيلة ضحاياها 49 شهيدا وعشرات الجرحى، دون معرفة توقيت تنفذيها وخبايا المخطط العسكري الذي كان الدافع لارتكابها، ويحمل اسم "خلد" والهادف إلى تهجير الفلسطينيين القاطنين في منطقة المثلث من كفر قاسم جنوبا حتى أم الفحم شمالا، بالتزامن مع العدوان الثلاثي على مصر عام 1956.

حتى الساعة الرابعة والنصف من مساء الاثنين الموافق 29 أكتوبر/تشرين الأول 1956، كانت كفر قاسم القرية الوادعة المفعمة بالحياة والأمل تعيش فلاحة الأرض على أهازيج الفرح وأغاني التراث، مثلما صورتها المحطة الأولى من "بانوراما الشهيد".

لحظات بالمحطة الثانية من "بانوراما الشهداء"، شكلت مرحلة مفصلية في تاريخ القرية والشعب الفلسطيني، حين استدعى العريف في حرس الحدود الضابط يهودا زشنسكي مختار كفر قاسم وديع صرصور وأبلغه بقرار منع التجوال، وطلب منه إبلاع السكان ابتداء من الساعة الخامسة.

جانب من الزوار خلال التجوال بين محطات "بانوراما الشهداء" (الجزيرة)

رسائل وأهداف
يقول المشرف الفني على "بانوراما الشهداء" خالد عازم "أردنا بهذه المرحلة الفارقة في تاريخ شعبنا الفلسطيني الريادة والابتكار في مشاريع وفعاليات إحياء مراسيم الذكرى، ولكيلا تكن البرامج تقليدية بالذات بالعقد السادس، تطلعنا لتوثيق وتدوين التاريخ وترسيخه بذهن الجيل الشاب، وذلك من خلال الاستعانة بالتكنولوجيا لتصل رسالتنا للعالم أجمع".

ولفت عازم في حديثه للجزيرة نت إلى أن المشروع يحمل بطياته رسائل متعددة، منها السياسية والإنسانية والفنية، والأهم التاريخية، بغرض تعريف الإنسانية بما حصل ولكي نؤكد لمن اقترف المجازر بحق الشعب الفلسطيني "أننا لن ننسى"، حيث تم توظيف الصوت والصورة والضوء والمجسمات بالمبنى التسلسلي لـ"بانوراما الشهداء"، الذي يعتمد على ست محطات تعتبر من أهم فصول المجزرة وما بعدها من أحداث وتداعيات.

جانب من الزوار خلال التجوال بين محطات "بانوراما الشهداء" التي دشنت لإحياء مراسيم الذكرى الـ60 للمجزرة (الجزيرة)

وينتقل عازم بين المحطات عبر موسيقى تصويرية يرافقها سرد تاريخي باللغات الثلاث العربية والإنجليزية والعبرية، تضع من يتجول بداخلها في قلب الحدث، في مشاهد تحاكي ما حصل عند الساعة الخامسة من مساء الاثنين الموافق 29/10/1956، حيث بدأت المجزرة.

لم يكتف القتلة بحصد ضحاياهم وتركهم لمصيرهم، لكنهم، يقول عازم "أرادوا أن يتأكدوا من أن أحدا منهم لم يبق حيا"، فهذا السرد التاريخي يعيشه من يتوغل في "بانوراما الشهداء" بمشاعره وجوارحه، بلحظات تعبر عن الخوف والترقب والمصير المبهم نحو الصلح القسري الذي فرضته إسرائيل على فلسطينيي 48 الذين يخوضون معركة الصمود والبقاء.

المصدر : الجزيرة