عبد الحميد بن محمد-الجزائر

شكلت استقالة الأمين العام لحزب جبهة التحرير الحاكم في الجزائر عمار سعداني مفاجأة ليس للطبقة السياسية في البلاد فقط، بل حتى لأعضاء اللجنة المركزية الذين لم يكونوا ينتظرون أن يترك منصبه بهذه الطريقة الخاطفة.

ورغم أن سعداني (67 عاما) برر استقالته لدواعٍ صحية، فإنه لا أحد من المراقبين اقتنع بهذا السبب، بل راحوا يبحثون في الدوافع التي جعلت الرجل "البلدوزر" يعلن انسحابه بعد سنوات ثلاث قضاها في المنصب، وخاض فيها معارك شرسة ضد شخصيات نافذة حتى داخل النظام من بينها الفريق محمد مدين (الجنرال توفيق) الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات.

خطوط حمراء
وتجمع كل الآراء على أن جهات عليا بالدولة وتحديدا الرئيس عبد العزيز بوتفليقة هو من قرر التخلي عن سعداني لأسباب تتعلق بترتيبات المرحلة المقبلة، كما يرى الكثير أن الرجل الذي أدى "مهام صعبة" قبيل فوز بوتفليقة بولاية رابعة عام 2014 قد تجاوز الخطوط الحمراء.

ويقول أستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعة الجزائر نور الدين بكيس لـالجزيرة نت إن أهم درس يستخلص من "إقالة" سعداني هو أن الترقيات داخل أحزاب الموالاة تخضع  لإرادة صاحب القرار "ومن لا يلتزم بخريطة طريق السلطة والأدوار التي تحدد ها له يتعرض للإقصاء النهائي".

ويرى بكيس أن هذه الإقالة تؤكد تحكم النظام في المشهد السياسي، وهو حاليا يقوم بإعادة ترتيب البيت الداخلي وإعادة الخطاب السياسي إلى سقفه المعتدل الذي يسمح للجميع بالاستفادة من توزيع ما تبقى من الريع بشرط دخول بيت الطاعة.

 بكيس: الإقالة تؤكد تحكم النظام بالمشهد السياسي (مواقع التواصل)

سهام وترحيب
من جانبه يتحدث الكاتب الصحفي نور الدين ختال عن السهام التي أطلقها سعداني خلال الفترة الماضية ضد شخصيات نافذة في السلطة وفي المعارضة و"حتى بوتفليقة لم يسلم من سهامه عندما ادعى أنه استقال لسبب صحي، وهذا ما اعتبره المتابعون إشارة ضمنية إلى الرئيس المريض".

ويؤكد ختال للجزيرة نت أن أكثر السعداء بالاستقالة هم خصوم سعداني داخل حزب جبهة التحرير الحاكم وعلى رأسهم عبد العزيز بلخادم "بالإضافة إلى ضباط المخابرات من الموالين للرئيس السابق للجهاز الفريق محمد مدين" مضيفا أن التيار العلماني التغريبي أبدى ترحيبه بتنحي سعداني "لأنهم يعارضون كل من يدافع عن اللغة العربية".

وباعتقاد ختال فإن سعداني تمكن خلال ثلاث سنوات قضاها في المنصب من "استرجاع الحزب ولم يعد بيدقا في يد العسكر أو الرئيس" وهذا ما لن يحصل مع خليفته.

ويؤكد الكاتب الصحفي أن الرجل فرض انضباطا "رهيبا" داخل الحزب ووقف في وجه "الديناصورات" مرجحا عدم قدرة الأمين العام الجديد جمال ولد عباس على الاستمرار في ذلك "فهو لا يحظى بالإجماع داخل المكتب السياسي، فما بالك باللجنة المركزية".

كما توقع أن تتراجع نتائج الحزب في الانتخابات التشريعية المقررة مطلع العام المقبل.

 بوقاعدة: المرحلة المقبلة تنذر بتحولات كبرى (الجزيرة)

استقالة وتبرير
ويقول أستاذ العلوم السياسية بجامعة الجزائر توفيق بوقاعدة إن سعداني لم يبرر صراحة استقالته بالمرض "وإنما ذلك فهم ضمنيا". ويضيف أن استقالته جاءت بعدما طلب رأي اللجنة المركزية بنزع الثقة، وهي إشارة واضحة إلى أن جهات عليا في البلاد كانت وراء استقالته أو إقالته.

وباعتقاد بوقاعدة، فإن مغادرة سعداني معناها أن الرئاسة قد استعادت الحزب "الذى أراد سعداني ومن معه أن يشكلوا به قطبا موازيا للرئاسة استعدادا للانتخابات الرئاسية القادمة المقررة عام 2019".

كما يؤكد أن المرحلة المقبلة تنذر بتحولات كبرى "فشخصيات كثيرة سوف تغادر المشهد السياسي والعسكري الأيام المقبلة".

المصدر : الجزيرة