علي أبو مريحيل-بكين

أثار إعلان الرئيس الفلبيني رودريغو دوتيرتي في العاصمة الصينية بكين عن رغبته في قطع العلاقات مع واشنطن جدلا واسعا خلال اليومين الماضيين، خاصة أنه جاء في وقت تشهد فيه المنطقة توترا كبيرا على خلفية قرار محكمة التحكيم الدائمة في لاهاي الذي قضى في يوليو/تموز الماضي بعدم أحقية المطالب الصينية بالسيادة على جزر متنازع عليها بين الصين والفلبين.

غير أن الرئيس الفلبيني عاد بعد أقل من يومين ليوضح أنه لم يكن يقصد في تصريحاته إنهاء التحالف القائم بين بلاده والولايات المتحدة، وقال إن التحالفات حية مع واشنطن، وينبغي ألا يكون هناك قلق من حدوث تغيير، مؤكدا عدم حاجة بلاده لعقد تحالفات جديدة مع دول أخرى، وأن التحالف مع الصين سيكون فقط على المستوى التجاري.

وكانت واشنطن أرسلت الاثنين الماضي مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون شرق آسيا والمحيط الهادئ دانييل راسل إلى مانيلا، للوقوف على مدى جدية التصريحات التي أدلى بها الرئيس الفلبيني، والتي أثارت الكثير من التكهنات حول توجه جديد للفلبين نحو الصين.

دوافع خاصة
وفي السياق، اعتبر مدير معهد السياسة العامة في جامعة جنوب الصين للتكنولوجيا لي مينغ بو أنه من المبكر الحديث عن تحول حقيقي في سياسة مانيلا الخارجية تجاه الصين، مشيرا إلى أن موقف الرئيس رودريغو دوتيرتي لا يمثل الحكومة.

واستدل مينغ على ذلك بتصريحات لوزير التجارة الفلبيني رامون لوبيز، الذي أكد أن بلاده ستحتفظ بعلاقاتها التجارية والاقتصادية مع واشنطن، لافتا إلى أن إعلان الانفصال الذي تحدث عنه الرئيس لا يتضمن ما يجري في التجارة والاستثمار.

مينغ: من المبكر الحديث عن تحول حقيقي في سياسة مانيلا الخارجية تجاه الصين (الجزيرة)

وقال مينغ بو في حديثه للجزيرة نت إن تصريحات الرئيس الفلبيني نابعة من واقعيته، كونه يدرك أن التحالف مع واشنطن لن يحل الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها بلاده، وأن بكين قادرة على فعل ذلك في حال توصل البلدان إلى تفاهمات مشتركة بينهما بشأن النزاع في بحر جنوب الصين.

من جهته، قال الباحث بمعهد الدراسات السياسية في جامعة جينان شياو لونغ إن العلاقات بين الدول لا تحكمها التصريحات، بل المصالح المشتركة التي تترجم بأفعال على الأرض، مشيرا إلى أنه من الصعوبة بمكان البناء على تصريحات لم تصمد أكثر من 48 ساعة، واعتبارها محركا لسياسة دولة.

وأضاف شياو للجزيرة نت أن الصين ليست بحاجة لاختبار النوايا، كونها تدرك جيدا الظروف الاقتصادية والأمنية التي دفعت رودريغو دوتيرتي لإطلاق تصريحاته المثيرة للجدل، وهو الذي خاطب القادة الصينيين في أول زيارة له بالقول "جئت طالبا يد العون والمساعدة".

احتفاء إعلامي
وكانت صحف رسمية صينية أفردت مساحة كبيرة لتصريحات الرئيس الفلبيني على صدر صفحاتها خلال اليومين الماضيين، في خطوة فسرها مراقبون بأنها محاولة للظهور أمام الرأي العام الصيني بمظهر المنتصر، وذلك للتغطية على التنازلات التي قدمتها بكين للرئيس دوتيرتي في زيارته الأولى.

وسمح دوتيرتي للصيادين الفلبينيين بالاصطياد في مناطق متنازع فيها، كانت محظورة عليهم في السابق، وتقديم مساعدات مادية لدعم حملته في مكافحة المخدرات ببلاده، إضافة إلى تمويل بعض مشاريعه الخاصة بالتنمية والبنية التحتية.

ويعتقد مراقبون أنه بغض النظر عن مدى جدية تصريحات الرئيس الفلبيني دوتيرتي، فإن تحولا ما يحدث في السياسة الخارجية لمانيلا تجاه الصين، من شأنه أن يعيد رسم خارطة التحالفات، ويخرج الولايات المتحدة من دائرة الصراع، على اعتبار أن دخولها إلى المنطقة كلاعب أساسي كان عبر بوابة النزاع القائم بين الصين والفلبين.

المصدر : الجزيرة