الجزيرة نت-خاص

في ظل ظروف الحرب والحصار وقوانين تنظيم الدولة الإسلامية تعيش الموصل عزلة كبيرة عن محيطها الجغرافي ضاعفها الوضع الاقتصادي السيئ الذي يعانيه معظم السكان هناك، فيما أسهمت المعارك الدائرة حول المدينة في مزيد من الخسائر البشرية والاستنزاف المادي للمدينة.

وقد قطعت الحكومة العراقية منذ أكثر من عام ونصف الرواتب عن الموظفين في الموصل وباقي المناطق التي يسيطر عليها تنظيم الدولة باستثناء المتقاعدين من المدنيين والعسكريين، وهو ما ساهم في ازدياد نسب الفقر بين السكان.

وقد أعلنت الحكومة العراقية منتصف الشهر الجاري بدء العملية العسكرية لاستعادة الموصل من تنظيم الدولة الذي يسيطر على المدينة منذ يونيو/حزيران 2014.

وتقول أم عاصم -وهي نازحة من إحدى القرى القريبة من الموصل- إن ظروفها المادية الصعبة ألجأتها إلى العمل كخياطة، إذ إن راتبها انقطع بعد أن كانت تعمل مدرسة لأكثر من 15 عاما.

وهي تفعل ذلك كما تقول لحماية أبنائها الخمسة من غائلة الفقر والجوع بعد أن فقدت زوجها في قصف لطائرات التحالف الدولي على المدينة قبل بضعة شهور.

وزاد عدد المقبلين على العمل بالحرف والصناعات اليدوية كالنجارة والحدادة والسباكة وغيرها في الآونة الأخيرة، حيث أصبحت مصدرا لرزق العديد من العوائل، ورغم ضعف السوق وقلة المتبضعين فإن هذه المهن ما زال الإقبال عليها أفضل من غيرها، لحاجة الناس اليومية لها.

شلل الحياة الاقتصادية
وقد أغلقت معظم المطاعم في المدينة بسبب ضعف الإقبال عليها، ويضطر الكثير من الشبان والموظفين القدامى إلى العمل سائقي سيارات أجرة رغم قلة الأجور.

غارات التحالف الدولي والطيران العراقي هدمت العديد من المباني في الموصل ومحيطها (الجزيرة)

ويقول الضابط في الجيش العراقي السابق أبو صفوان إن قيادة سيارات الأجرة هي المهنة المتاحة حاليا بالنسبة للكثيرين، لأن رؤوس الأموال قد شحت بالمدينة ولا أحد من أصحابها يغامر بفتح مشروع جديد في الوقت الذي يبدو فيه مستقبل المدينة غامضا، على حد قوله.

أما الصيدليات فتعمل معظمها رغم قلة الأدوية، ولا سيما الخاصة بالأمراض المزمنة.

وقد قلت الحركة في الأسواق منذ بداية العمليات العسكرية الأخيرة إلا من المتبضعين لأغراض ضرورية، ولا تزال محلات بيع الخضار والفواكه مفتوحة حتى وقت متأخر، وكذلك الحال بالنسبة للمخابز وورش تصليح السيارات، بينما تغلق المحلات الباقية أبوابها معظم ساعات اليوم.

ومع اقتراب شبح الحرب من حدود الموصل توقفت أعمال البناء -إلا ما ندر- مما أضر بشريحة العمال، وكذلك الحال بالنسبة للزراعة، حيث اضطر معظم الفلاحين ومربي الماشية حول المدينة إلى ترك قراهم والنزوح باتجاه المركز بعد أن تحولت قراهم إلى ساحات حرب بين الجيش ومقاتلي تنظيم الدولة.

وتوقفت أكثر المعامل عن الإنتاج وأغلقت أبوابها بسبب القصف الجوي الذي يستهدفها وقلة الموارد، ولا سيما معامل الطحين والمواد الغذائية، والتي أصبحت أهدافا دائمة لطيران التحالف.

وأسهمت قلة الوظائف وتجفيف منابع الأموال في زيادة أعداد "المسحوقين" حتى بدأ البعض يلجأ إلى مكبات النفايات لجمع الأغراض القديمة وبيعها حفاظا على حياته.

التنظيم ورافد الرقة
ويعمل بعض السكان في وظائف رسمية لدى تنظيم الدولة مثل الحسبة والمظالم وديوان الأمن، ويتكون الكادر الوظيفي لهذه المؤسسات من عراقيين وأجانب تصل رواتبهم إلى نحو مئة دولار، إلا أن أعدادهم قليلة وتتم تزكيتهم بصعوبة كبيرة من قبل قيادات التنظيم.

الجيش العراقي يقصف مناطق حول الموصل (الجزيرة)

ويمثل الخط الرابط بين الموصل ومدينة الرقة السورية شريانا حيويا للكثير من الموصليين، حيث يتم جلب البضائع مثل المواد الغذائية وبعض الأدوية والمشتقات النفطية والألبسة.

ومع تقلص المساحات التي يسيطر عليها تنظيم الدولة واستمرار قصف التحالف الدولي للطريق بين العراق وسوريا تضيق المنافذ بين المدينتين، حيث لم يتبق إلا بعض الطرق مثل تلعفر والبعاج والجزيرة.

وكان بعض الأهالي يعتمدون على ما يرسله أبناؤهم من مدن عراقية ودول أخرى، لكن تشديد الرقابة على التحويلات المالية ومراقبتها جعل هذا الأمر شديد الصعوبة، حيث لا يوجد سوى عدد محدود من مكاتب الصيرفة الخاضعة للرقابة الشديدة من قبل تنظيم الدولة.

المصدر : الجزيرة