أيمن الزبير-مدريد

بعد أزيد من 300 يوم، يبدو أن أزمة تشكيل حكومة في إسبانيا في طريقها إلى الحل، وهو الفرَج الذي لم يكن ليتحقق لولا الهزة التي شهدها الحزب الاشتراكي مؤخرا وقادت لاستقالة زعيمه بيدرو سانشيز.

وقد قرر الاشتراكيون عدم اعتراض طريق زعيم المحافظين ماريانو راخوي لشكيل حكومة جديدة يُتوقع أن تواجه صعوبات جمة لتمرير مشاريعها نظرا لافتقارها للأغلبية المطلقة بالبرلمان.

هذه الصعوبات يعوِّل الحزب الاشتراكي المعارض عليها في استعادة قوته وترميم صورته حيث يعيش أحلك فترة في تاريخه الممتد لأكثر من مئة عام.

لكن هذه المهمة لن تكون هيّنة حسب العديد من المراقبين السياسيين، الذين يرجعون كبوة الاشتراكيين إلى الأزمة التي يعيشها تيار الاشتراكية الديمقراطية في إسبانيا وباقي الدول الأوروبية.

ويشير أستاذ العلوم السياسية والاجتماعية بجامعة كومبلوتينسي في مدريد خايمي باستو إلى أن هناك انقساما واضحا بين تيارين تتباين مواقفهما بين منح استقرار للنظام السائد في إسبانيا أو البحث عن تحالف مع حزب "بوديموس" اليساري.

تناقضات كبيرة
أمام هذا الاختلاف كانت الغلبة للمدافعين عن إفساح المجال أمام تشكيل حكومة محافظة عبر الامتناع عن التصويت ضدها في البرلمان.

وهو الخيار الذي فرضه الفرع الأندلسي للحزب الاشتراكي مستندا إلى هيمنته في أحد أهم الأقاليم الإسبانية، حيث يوجد أكبر عدد من الناخبين الاشتراكيين.

زعيم حزب الشعب الإسباني بصدد تشكيل حكومة جديدة في ظل تراجع قوة خصومه الاشتراكيين (الأوروبية)

لكن هذا القرار فتح الباب على مصراعيه لمراجعة مواقف الاشتراكيين، الذين يعيشون تناقضات كبيرة وفقرا أيديولوجيا، حسب خايمي باستور.

ويربط باستور أزمة المشروع الاشتراكي الإسباني بعجز قياداته عن التشكيك في نموذج سياسات التقشف التي يفرضها الاتحاد الأوروبي على إسبانيا، وعن توفير حل للخلاف مع إقليم كاتالونيا المطالب بالانفصال بعيدا عن الوصفات القومية التي لا تختلف في فحواها عن خطاب اليمين الإسباني.

ويتوقع تحول "مرض" الحزب الاشتراكي الإسباني إلى داء عضال شبيه بذلك الذي يجثم على صدر الاشتراكية الفرنسية، التي اختفت تماما من بعض الأقاليم أسوة بنظيرتها اليونانية حيث تحولت هي الأخرى إلى تيار ثانوي في البرلمان.

بيد أن هذه الغيوم لا تخيم فقط على اشتراكيي القارة العجوز، بل تمتد أيضا إلى دول أميركا اللاتينية التي كانت حتى وقت قريب معقلا للحركات اليسارية ونواةً لاشتراكية القرن الواحد والعشرين، على حد توصيف الرئيس الفنزويلي الراحل هوغو تشافيز.

تحولات وإيرادات
وإذا كان تراجع الاشتراكيين في إسبانيا يعود إلى عدم مجاراة التحولات الاجتماعية وغياب كفاءات على رأس هرم قيادة الحزب، فإن انكفاءهم في بعض دول أميركا اللاتينية يعود لتراجع عائدات الموارد الطبيعية والفشل في إيجاد هياكل إنتاجية لتحسين ظروف المواطنين في حقبة السنوات العجاف، حسب عالم الاجتماع الأرجنتيني والتر أكتيس.
 
شوارع فنزويلا تشهد غضبا عارما ضد سياسات الحكومة الاشتراكية (الأوروبية)

ويرى أكتيس أن الحكومات اليسارية التي قادت فنزويلا والأرجنتين والبرازيل حسنت الظروف المعيشية للشرائح الفقيرة والمعدمة، لكنها لم تفلح في خلق هياكل موازية "لقص أجنحة اللوبيات الاقتصادية المتغولة" على حد تعبيره.

ويلاحظ أنه عندما كانت أسعار النفط تفوق 120 دولارا للبرميل، كان سهلا -حسب أكتيس- تبني سياسات اجتماعية تقوم بتوزيع فائض تلك الموارد على الفقراء، ولكن بعد تراجع أسعار البترول عادت سياسات التقشف إلى الواجهة وتفاجأت بعض الحكومات اليسارية برِدَّة الطبقات الشعبية حيث رفعت سقف مطالبها وتناست ما قُدّم لها من مساعدات في العقود الأخيرة.

لكن أستاذ العلوم السياسية والاجتماعية بجامعة كومبلوتينسي خورخي فيسترينخي يبدو أكثر تفاؤلا بشأن مستقبل اليسار بإسبانيا. ويرى أنه إذا كانت أزمة الاشتراكيين في فرنسا أفرزت نموا مطردا لتيار اليمين المتطرف، فإنها في إسبانيا شهدت ظهور تحالف "أونيدوس بوديموس" اليساري الذي يتزعم المعارضة الإسبانية مسنودا بدعم الأجيال الشابة ومتكئا على قيادات لم تتلطخ بفضائح الفساد المستشرية في الأحزاب التقليدية.

هذه "العذرية" -بحسب فيسترينخي- يخشاها الاشتراكيون الإسبان الذين دعموا الحزب الشعبي اليميني، وذلك لإبقاء الوضع القائم الذي يضمن للطبقة السياسية امتيازاتها ويعفيها من المراجعة التاريخية لقرارات ما زال عموم الإسبان يدفع فاتورتها، خاصة في ميادين التعليم والعدالة التي لم تتحرر بعد من قيود النفوذ السياسي.

لكن مهمة "بوديموس" في هذا الاتجاه لن تكون سهلة، خاصة إذا تعافى الاقتصاد الإسباني وانخفضت نسب البطالة، وهي الفرضية التي يعتمد عليها بعض المحللين لتفسير انتصار المحافظين في الانتخابات الأخيرة، فبعيدا عن الأيدولوجيا وخنادق اليمين واليسار يفضل المواطن الحلول المرحلية والاستقرار الاقتصادي على تجريب قوى سياسية صاعدة تواجه خطابات التشكيك التي تتردد في معظم وسائل الإعلام التي تصف أحزابا صاعدة مثل "بوديموس" بالشعبوية وانعدام الخبرة في الحكم.

المصدر : الجزيرة