وضعت الاستقالة "المفاجئة" للأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني الحاكم في الجزائر عمار سعداني الحزب في مفترق طرق على مقربة من انتخابات نيابية مقررة العام القادم.

وأعلن سعداني أول أمس السبت استقالته من قيادة أقدم أحزاب الجزائر أمام اجتماع للجنة المركزية (أعلى هيئة قيادية في الحزب) وقال إنها لأسباب صحية، كما اقترح جمال ولد عباس خلفا له وهو قرار تمت تزكيته.

وقضى الرجل ثلاث سنوات على رأس الحزب وهي فترة احتل خلالها واجهة الأحداث في البلاد بتصريحات نارية في حق المعارضة وحتى ضد شخصيات نافذة بالحكم.

وكان سعداني قد طالب فور وصوله المنصب برأس مدير المخابرات السابق الفريق محمد مدين وكان له ما أراد عندما أقيل هذا العسكري الذي يوصف "بصانع الرؤساء" لنفوذه الكبير طوال 25 سنة قضاها في المنصب، وذلك بقرار من الرئيس عبد العزيز بوتفليقة عام 2015.

ومن النادر أن يكمل الأمناء العامون الذين تداولوا سابقا على قيادة هذا الحزب ولايتهم -سواء بسبب أزمات داخلية أو بالاستقالة- لعدم وجود توافق بينهم وبين من يقود السلطة الحاكمة في البلاد، حسب مراقبين.

سعداني عزا استقالته من أمانة الحزب لأسباب صحية (الجزيرة)

وقال ولد عباس (82 سنة) فور تزكيته إنه سيقود الحزب إلى غاية 2020 تاريخ نهاية الولاية الحالية التي بدأت في مؤتمر عقد العام 2015.

وظل سعداني مصدر جدل في الساحة بين مؤيد لتصريحاته "الجريئة" ومعارضين وصلوا حد وصفه بـ"التهريج".

كما أن وسائل الإعلام المحلية نشرت مؤخرا تسريبات عن قرب تنحيته بسبب عدم رضا بوتفليقة -وهو رئيس الحزب- على تصريحاته النارية في حق عدة مسؤولين وتجاوزه الخطوط الحمراء.

وفي هذا السياق، كتب موقع "كل شيء عن الجزائر" أمس الأحد نقلا عن مصادر من الحزب أن تنحي سعداني قد يكون بمثابة إقالة غير معلنة من قبل الرئاسة، وذلك بعد تصريحات أطلقها مطلع الشهر الجاري وصف فيها مدير المخابرات السابق الفريق محمد مدين برأس حربة ضباط فرنسا في الجزائر، وهاجم سلفه في المنصب عبد العزيز بلخادم ووصفه بأنه سياسي يخدم مصالح فرنسا في الجزائر.

وأوضح الموقع أن اختيار ولد عباس خليفة له يعكس توجها من الرئاسة نحو التهدئة باتجاه خصومها في الساحة لأن الرجل معروف بهدوئه.

من جهتها، اعتبرت صحيفة "الشروق" (خاصة) أن "استقالة سعداني خطوة ستكون لها تداعياتها وما بعدها في حزب الأغلبية في ظل استعداد لانتخابات برلمانية".

أما صحيفة الخبر (خاصة) فقد نقلت عن مصادر داخل قيادة الحزب استبعاد المبررات الصحية وراء استقالة سعداني، وأرجعتها إلى غضب بوتفليقة منه بعد تصريحاته التي خون فيها شخصيات في الحزب، وإلى قناعة الرئيس بأن سعداني يشتغل لصالح أجنحة تعمل على تسريع خلافته.

ولد عباس (وسط) تم اختياره أمينا للحزب بعد تنحي سعداني (الجزيرة)

وكتبت صحيفة "صوت الأحرار" -وهي تابعة للحزب الحاكم في افتتاحيتها لعدد الأحد- "يحق لأبناء حزب جبهة التحرير الوطني أن يفتخروا بحزبهم وبانتمائهم إلى هذه المدرسة السياسية العريقة والمحترمة التي قدمت من جديد أمام الرأي العام درسا مفيدا، حيث إنها تعالج قضاياها برصانة ومسؤولية ونضج دون خسائر على حساب مكانتها الريادية في الساحة السياسية".

ويعد حزب جبهة التحرير الوطني أقدم حزب سياسي في الجزائر، وتأسس كجبهة شعبية قادت الثورة ضد الاستعمار الفرنسي بين 1954 و1962 قبل أن يتحول إلى حزب سياسي بعد الاستقلال مباشرة.

ومنذ الاستقلال قاد الحزب البلاد في عهد الحزب الواحد إلى غاية العام 1989 حين أقر دستور وضعته السلطات التعددية السياسية وسمح بتشكيل أحزاب جديدة.

ومنذ 1989 بقي حزب جبهة التحرير بمثابة كيان سياسي موال للسلطة الحاكمة، وهو حاليا الحزب الحاكم، ويمتلك 213 مقعدا في المجلس الشعبي الوطني (البرلمان) من أصل 460 إجمالي مقاعد المجلس، إلى جانب قيادته أغلب المجالس المحلية عبر المحافظات، وللحزب 14 وزيرا في الحكومة من أصل ثلاثين وزيرا، من بينهم الوزير الأول.

المصدر : وكالة الأناضول