بات النازحون بالعراق ورقة للضغط تستثمرها بعض الأطراف في مشاريعها الضيقة، وفق محللين، كما تفرض الأوضاع الأمنية بالبلاد عليهم مزيدا من المعاناة، يضاف لذلك الدور الضعيف للحكومة المركزية في حل مشاكلهم.

غادروا مناطقهم فارين من الموت وأجواء الحرب إلى مدينة كركوك شمال بغداد، وما لبثوا أن استقروا فيها تحت مسمى "نازحين" حتى وجودوا أنفسهم مرة أخرى في مواجهة الظروف نفسها التي فروا منها، مع تهديدات مباشرة بالقتل والاعتقال إذا لم يغادروا المدينة.

يقول أحدهم ويدعى علي إنهم نزحوا إلى مدينة كركوك فرارا من ناحية سليمان بيك، التابعة لقضاء طوزخورماتو في محافظة صلاح الدين، بعد سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية عليها عام 2013، لكنهم بدؤوا يتعرضون لمضايقات وتهديدات من قوات الأمن الداخلي الكردية (الأسايش) عقب هجمات التنظيم الأخيرة، فاضطروا للمغادرة مرة أخرى.

وأوضح علي أنه وعائلته المكونة من عشرة أفراد تمكنوا من الهرب من ناحية سليمان بيك واستطاعوا دخول كركوك، واستقروا فيها بعد استكمال كافة الإجراءات الأمنية كجرد العائلة وتأييد وزارة الهجرة والمهجرين، فضلاً عن تأييد مختار المنطقة.

وأضاف -في حديث للجزيرة عبر اتصال هاتفي- أنه تفاجأ من مطالبته وعشرات العوائل من قبل قوات الأسايش بضرورة ترك منازلهم وإلا سيتم تفجيرها، كما عمدت تلك القوات إلى تمزيق كافة الأوراق والموافقات الأمنية للعائلة، مما دفعهم إلى التوجه نحو تركيا خوفا من عمليات انتقامية قد تشملهم.

أما أشرف التركماني فلا تختلف قصته كثيرا، حيث قال إنهم نزحوا من قضاء تلعفر غرب الموصل إلى كركوك، وإنهم الآن مضطرون لمغادرتها بعد أن تم استغلال الأوضاع الأخيرة للتنكيل بالنازحين.

وقال إنهم أعطوا مهلة لثلاثة أيام لمغادرة منطقتهم شمال كركوك، مؤكدا أن مجلس المحافظة لم يقدم لهم أي مساعدة "سوى بيانات الاستنكار التي لم تحمينا من بطش بعض الجهات".

قوات الأمن في كركوك طالبت النازحين بالمغادرة (الجزيرة)

نفي واتهام
وعلى الرغم من نفي محافظ كركوك نجم الدين كريم تهجير النازحين من محافظة نينوى، فإنه اعتبر أن عدم تهيئة الحكومة المركزية الظروف الملائمة لعودة النازحين لمناطقهم المحررة "نصر لتنظيم الدولة".

لكن عضو لجنة المرحلين والمهجرين النائب أحمد السلماني اتهم المحافظ باستغلال ملف النازحين في أكثر من واقعة، موضحاً أنها "ليست المرة الأولى التي يعمد فيها كريم للضغط على الحكومة الاتحادية بملف النازحين".

واتهم السلماني المحافظ بطلب أموال مقابل إبقاء النازحين في كركوك، مؤكدا أن الحكومة سلمته أكثر من 14 مليار دينار عراقي (12.6 مليون دولار أميركي) لدعم النازحين، كما تكفلت وزارة الهجرة والمهجرين بإنشاء مخيمات ليلان جنوب شرقي كركوك.

وعن إجراءات البرلمان، قال السليماني إن وفدا من تحالف القوى السني توجه للقاء المحافظ من أجل الوقوف على أوضاع النازحين، مشددا على أن حقوقهم مصونة وفقاً للدستور.

تنظيم الدولة هاجم كركوك واشتبك مع قوات الشرطة العراقية قرب مبنى المحافظة (وكالات)

تريث بالقرار
من جانبه، أكد عضو المجموعة العربية في مجلس كركوك معن الحمداني أنه طلب من محافظة كركوك التريث في قرار ترحيل النازحين، لكنه أقر بأن الأجهزة الأمنية طالبت العديد من العوائل بضرورة المغادرة إلى مخيم ليلان، موضحاً أن "الاستهداف شمل جميع مكونات كركوك".

لكن مسؤولين في مجلس محافظة كركوك أكدوا أن قرار طرد بعض النازحين موجه ضد المشتبه في تعاونهم مع تنظيم الدولة، وأن هناك عددا من النازحين غير المسجلين لدى الأجهزة الأمنية، الأمر الذي يتطلب مزيدا من التدقيق والمتابعة.

من جانبه، اعتبر المحلل السياسي قحطان الخفاجي أن الصراع السياسي المتعدد داخل كركوك ساهم في التداعيات الأخيرة، موضحاً "أنه لا يمكن فصل صراعات الأحزاب سواء الكردية فيما بينها أو مع العرب، عن ما آلت إليه الأوضاع".

وقال إن النازح بات ورقة الضغط التي تستثمرها بعض الأطراف في مشاريعها الضيقة، مشيرا إلى الدور الضعيف للحكومة المركزية في حل مثل هذه القضايا.

المصدر : الجزيرة