وثق فيلم "غرباء في الغابة" الأوضاع المأساوية التي يعيشها اللاجئون في مخيم كالييه على الحدود الفرنسية مع بريطانيا، الجزيرة نت التقت مخرجي الفيلم طارق حداد وساندرا علوش للوقوف على معاناة اللاجئين في المخيم، الذي قررت السلطات الفرنسية تفكيكه مؤخرا.

جورج كدر-هلسنكي

لم يكن سيصدق أحد أن هذا المكان المرعب موجود في القارة التي تفتخر بإنجازاتها في الحرية والكرامة الإنسانية، لولا عدسات الصحفيين. لم يكن أحد سيصدق أن "غابة كالييه" -كما باتت تعرف- تقبع بين دولتين تتغنيان بإرثهما الديمقراطي لمحو تاريخهما الاستعماري الحافل، هما بريطانيا وفرنسا.

عندما دخل طارق حداد وساندرا علوش إلى عمق أدغال كالييه كانا خائفين من هول المنظر وبؤس الحال، لم يخطر في بال مخرجي فيلم "غرباء في الغابة" -الذي حاز مؤخرا على جائزة أفضل فيلم وثائقي متميز في المهرجان الإسكندنافي الدولي للأفلام الوثائقية- أن هنالك مكانا في أوروبا كلها كهذا، حيث تنعدم الإنسانية وتنتهك حرية الإنسان وكرامته، وهو الهارب من بلاده التي تغتالها الحروب وينشد الكرامة والحرية له ولأسرته.

ربما كان فيلم "غرباء في الغابة" آخر الأفلام الوثائقية التي وثقت الحال في هذا المكان البائس، لأن السلطات الفرنسية باشرت تشييد جدار -تموله بريطانيا- في ميناء كالييه (شمال غربي فرنسا) لمنع المهاجرين من التسلل إلى الشاحنات المتوجهة من فرنسا إلى بريطانيا؛ لكن الصورة ستبقى وصمة عار في تاريخ الديمقراطية الأوروبية كما ظهر جليا في الفيلم.

على هامش عرض الفيلم في افتتاح المهرجان الإسكندنافي الدولي الأول في هلسنكي، التقت الجزيرة نت ساندرا وطارق في محاولة للوقوف على ما جرى ويجري في "غابة كالييه"، وكان هذا الحوار:
الناشطة الفرنسية مايا كونفورتي (يمين) تشرح للمخرجة ساندرا علوش عن غابة كالييه (الجزيرة)

لماذا اخترتما مخيم كالييه للاجئين محورا لأول عمل وثائقي لكما؟

منذ أن وصلنا إلى فرنسا أواخر الصيف الماضي ونحن نسمع عن مشاكل المهاجرين في كالييه، وبعد أن أتيحت لنا الفرصة للعمل مع قناة فرنسية ألمانية، قررنا التوجه إلى هناك، لأننا بصراحة لا نثق في الأخبار ونفضل أن نرى الواقع بأنفسنا، وبعد أن وصلنا قضينا ثلاثة أيام مع السوريين في قلب "أدغال كالييه"، وهي التسمية التي أريد بها بث الذعر في نفوس الفرنسيين والإنجليز على حد سواء، وخلالها أنجزنا فيلمنا الذي يتحدث عن معاناة طالبي اللجوء.

بعد بدء السلطات الفرنسية هدم المخيم وبناء جدار فاصل مع بريطانيا، هل يمكن القول إن فيلمكما كان آخر ما أنجز عن "مخيم كالييه"؟

أعتقد ذلك، ويمكن القول -في المجمل- إنه لم ينجز فيلم كامل عن كالييه، وما أنجز عنه هو تقارير إخبارية وبعض المحاولات لناشطين قاموا بإنجاز أفلام قصيرة مستعينين بهواتفهم الذكية، ولكن نحن دخلنا المخيم وتمكنا من رصد تفاصيل حياة سكانه التي لا تمت للإنسانية بصلة، لنقدم وثيقة للعالم عن طريقة معاملة اللاجئين في دول تدعي احترام الإنسان وحقه في حياة كريمة.

وهل كان دخول هذا المخيم البائس سهلا؛ بمعنى هل يمكن أن يدخله أيّ إنسان؟

ما صدمني أكثر هو اختلاف الواقع الذي يعيشه الناس في هذه الأدغال عن واقع اللاجئين في باقي المدن الفرنسية، إذ لم أكن أتوقع أن هنالك مكانا في أوروبا كلها كهذا، وأعتقد بأنه لا يوجد مكان أقل إنسانية من هذا في فرنسا كلها

في الحقيقة نحن توجهنا دون تراخيص، كل ما كان معنا هو ورقة من القناة تطلب تسهيل مهمتنا من أي صاحب علاقة، وهناك تدبرنا أمرنا بالكثير من الابتسام والتحدث باللغة الفرنسية مع نقاط الشرطة الثلاث التي توجب علينا قطعها لدخول الأدغال.

كنا أنا وزوجي وحدنا، ولم يكن معنا سوى معدات خفيفة للتصوير، وكنا خائفين لدى وصولنا لهول المنظر وبؤس الحال التي شهدناها، وفي اللاوعي تبادرت إلى ذهني الصور المرعبة التي شاهدتها في الفيديوهات عن كالييه.

ما صدمني أكثر هو اختلاف الواقع الذي يعيشه الناس في هذه الأدغال عن واقع اللاجئين في باقي المدن الفرنسية، إذ لم أكن أتوقع أن هنالك مكانا في أوروبا كلها كهذا. أعتقد بأنه لا يوجد مكان أقل إنسانية من هذا في فرنسا كلها، كلما تحدثت مع أناس أكثر هناك صدمت بوقائع يتم التعتيم عليها بشكل مقصود في الإعلام، وشيئا فشيئا اكتشفت أن السوريين هم أقل من 1%‏ من سكان الأدغال في كالييه. 

علم الثورة السورية في غابة كالييه (الجزيرة)


1% فقط، لماذا عندما نسمع نشرات الأخبار وتغطية موجات اللجوء إلى أوروبا نظن أن كل من قدم إلى أوروبا كان سوريّا؟

حين كنا في كالييه في مايو/أيار الماضي، لم يكن عدد السوريين يتجاوز 170 من أصل خمسة آلاف تقريبا، وكان من المفترض إيجاد حل قريب لأزمة كالييه، أما اليوم فيقولون إن العدد أصبح نحو عشرة آلاف، وبعد هدم المخيم والإجراءات المحددة مع بناء "حائط كالييه" بين فرنسا وبريطانيا، تشتت سكان المخيم إلى عدة دول منها بلجيكا والداخل الفرنسي، بهدف منع الناس من الوصول إلى بريطانيا التي أغلقت أبوابها في وجههم.

إذن، يمكن القول إن "مخيم كالييه" البائس بعد بدء عمليات هدمه قد انتهى؟

في رأيي أبدا، هذه الرؤية غير صحيحة، فمن خلال معايشتي للناس في كالييه، أنا على ثقة من أن أولئك التعساء الذين يخاطرون بأرواحهم للحصول على حقهم كلاجئين من بلاد الحرب هم المتضررون الوحيدون من بناء هذا الجدار، وأن المستفيد الأول والأخير منه ومن إزالة المخيم سيكون المهربين، خاصة الذين يتحكمون في مواقف الشاحنات.

ولم يبق أمام طالب اللجوء في هذه الحالة سوى الاستعانة بعصابات التهريب الخطيرة التي تملك شتى أنواع الأسلحة، فلكل جنسية من الجنسيات ذات الأغلبية في المخيم موقف خاص معروف للجميع، حيث تركن الشاحنات للمبيت، قبل أن تكمل طريقها بالعبور من فرنسا إلى بريطانيا، لكن ليس بمقدور أيٍّ كان من المهاجرين التسلل إلى إحدى هذه الشاحنات ما لم يتفق مسبقا مع أحد المهربين ويدفع نحو عشرة آلاف جنيه إسترليني، ليسمح له بالدخول إلى الموقف ويحاول التسلل إلى إحدى الشاحنات.

وبالرغم من أن الحكومة الفرنسية على علم بكل هذا، فإنها لم تتخذ أي إجراء بحق هذه العصابات، بل تبدو كأنها تغض النظر عما يحدث، طالما أنه لا يُحكى عنه في الإعلام، وطالما أن المال يجد طريقه إلى بعض الجيوب.

هذه الأيام على سبيل المثال يشهد سوق التهريب من بلجيكا انتعاشا هائلا، فمن يهرب من كالييه ولا يريد التقدم بطلب لجوئه إلى فرنسا يهرب إلى القرى الحدودية البلجيكية، باختصار: المهربون اليوم يعيشون عصرهم الذهبي.

 
غياب الصرف الصحي وظروف المعيشة البائسة في غابة كالييه (الجزيرة)

ظهرت في فيلمكما امرأة أوروبية اعتبرت كالييه وصمة عار في تاريخ أوروبا التي طالما تغنت بديمقراطيتها واحترامها حقوق الإنسان، من هذه المرأة؟ وماذا استفدتم منها؟

هذه الأيام يشهد سوق التهريب من بلجيكا انتعاشا هائلا، فمن يهرب من كالييه ولا يريد التقدم بطلب لجوئه إلى فرنسا يهرب إلى القرى الحدودية البلجيكية، باختصار: المهربون اليوم يعيشون عصرهم الذهبي

هي امرأة فرنسية تدعى مايا كونفورتي، وهي رئيسة جمعية إسكان المهاجرين التطوعية، وخلال وجودنا في المخيم كانت صدمتنا كبيرة عندما عرفنا أنها تركت بيتها الذي تملكه في ضواحي كالييه واتخذت من المخيم مسكنا لها، حتى لا تعاني صعوبة في الدخول إليه وتتمكن من مساعدة طالبي اللجوء والمهاجرين.

لا أخفيك، إن وجود هذه المرأة أعاد لي بعض الأمل في القيم الأوروبية، خاصة الفرنسية في العدالة والمساواة والحرية، حيث كانت تتحدى كل هذه القرارات التعسفية وتهرع لمساعدة الناس دون التفكير في لون بشرتهم أو دينهم، كل همها أن تؤمّن لهم أبسط مستلزمات الحياة.

كما أن التصريحات التي أدلت بها تدين حكومتها وسوء إدارتها لهذه الأزمة، وتكشف تورط هذه الحكومات في الحروب في سوريا والعراق وأفغانستان للحصول على ثروات هذه البلاد، ثم ترفض استقبال اللاجئين منها، ووصفت الأمر بالمقزز، لم أقابل سابقا شخصية قدمت توصيفا للواقع مثلها؛ نحن نكن لها كل احترام وتقدير.

هل عرض الفيلم في فرنسا المعنية الأولى والأخيرة بهذا المخيم غير الإنساني؟

الفيلم حتى الآن لم يعرض في فرنسا، وبالتالي لم يحظ بفرصة للتأثير بعد، لكننا بالتعاون مع القناة الفرنسية التي أنتجت العمل، نحضّر لعرض تدعى إليه نخبة من أهل الصحافة والناشطين الإنسانيين، ويتلوه نقاش حول القضية، في محاولة منا لتنشيط الحراك الداعي للقيم الإنسانية وعدم التخلي عن هؤلاء الذين ظلمتهم الحياة إلى هذا الحد.

المصدر : الجزيرة