افتكار مانع-موسكو

يسود التأزم في علاقة روسيا بتتار القرم، حيث يرفض قسم منهم الخضوع لها بعد ضمها في فبراير/شباط 2014 شبه جزيرة القرم التي كانت جزءا من أوكرانيا.

وتلقي الأبعاد التاريخية بظلالها على هذه العلاقة بحكم أن روسيا هي وريثة الاتحاد السوفياتي الذي قمع وهجّر تتار القرم في النصف الأول من القرن العشرين.

هذا الرفض والتأزم جعل روسيا تضع تتار القرم تحت مجهر الرقابة الأمنية، وخلال العام الحالي قامت السلطات الروسية بعدد من حملات الاعتقال ضد معارضين تتار.

وأفادت تقارير إعلامية بأن الأجهزة الأمنية الروسية نفذت الأسبوع الماضي حملة مداهمات واعتقالات في القرم، واعتقلت نشطاء تتهمهم بالانتماء لحزب التحرير الإسلامي، الذي تصنفه موسكو منظمة إرهابية.

وفي مايو/أيار الماضي، ألقت الأجهزة الأمنية في القرم القبض على من قالت إنهم أعضاء خلية تنظيمية من حزب التحرير كانوا يمارسون نشاطا مخالفا للدستور.

ويمثل التتار نحو 13% من سكان شبه جزيرة القرم، وكان أغلبهم تعرض لعمليات تهجير قسري في عهد الزعيم السوفياتي السابق جوزيف ستالين عام 1944 لاتهامهم بالتعاون مع الألمان خلال الحرب العالمية الثانية، فنزح الكثير منهم إلى دول آسيا الوسطى وتركيا.

تتار القرم أحيوا في مايو/أيار الماضي الذكرى 72 لتهجيرهم على أيدي السوفيات (الجزيرة)

ضرورة أمنية
ويرى الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية رومان باشكوف أن القيام بحملات أمنية ضد عناصر حزب التحرير أمر ضروري لاستقرار القرم.

واتهم باشكوف أوكرانيا بدعم أنشطة هذا الحزب لإثارة مسلمي القرم ضد الحكومة الروسية.

وقال إن حزب التحرير "بالرغم من قلة أعداد عناصره" فإنه منظم، ويعتمد في تجنيد الأعضاء الجدد على شبكة تقدم خدمات اجتماعية وصحية وتعليمية، "ويهدف إلى إقامة خلافة إسلامية كمحصلة نهائية لنشاطهم".

وأضاف باشكوف أن التدخلات الخارجية من أوكرانيا وتركيا تسهم في تأزيم الوضع الداخلي وعرقلة اندماج التتار مع محيطهم، الذي "يشكل الروس نسبة 58% منه والأكرانيون 24%".

من جانبه، يرى ممثل تتار القرم في موسكو مصطفى موختريموف أن عمليات الأجهزة الأمنية الروسية هي رسالة ترويع لجميع تتار القرم ومنعهم من المطالبة بحقوقهم المشروعة.

وتساءل موختريموف: "هل من العدالة حرمان التتار من الوصول للمراكز القيادية في الأجهزة الأمنية والحكومية والقضائية بالرغم من أنهم يشكلون أكثر من 13% من السكان؟"

وأضاف موختريموف أن ما يمارس ضد تتار القرم من اضطهاد وتمييز لا يمكن أن يؤدي إلى الاستقرار، لأن الملاحقات والمداهمات لا تقود سوى للمزيد من الاحتقان والتذمر.

جانب من وقفة احتجاجية بكييف ضد "قمع" السلطات الروسية تتار القرم (الأوروبية)

إلصاق التهم
وعبر موختريموف عن استنكاره ما تقوم به الأجهزة الأمنية الروسية ضد معارضي سياسات الكرملين سلميا وتصويرهم على أنهم يشكلون خطرا إرهابيا.

ورأى أن الإرهاب الحقيقي هو ما تقوم به الدوائر والأجهزة الأمنية الروسية من إلصاق التهم بالآخرين.

ولفت إلى أن شبه جزيرة القرم لم تشهد أي حوادث إرهابية أو حملات اعتقال تعسفية ومداهمات ضد التتار المسلمين عندما كانت خاضعة للسيادة الأوكرانية.

ودعا موختريموف السلطات الروسية للتعقل في التعامل مع تتار القرم وعدم دفع الأمور إلى حد يصعب التراجع عنه.

من ناحية أخرى، لفت مدير معهد روسيا والعالم الإسلامي شاميل سلطانوف إلى وجود انقسام في أوساط تتار القرم بين مؤيد ومعارض لضم روسيا شبه الجزيرة.

وقال إن الكرملين يلعب على هذه التناقضات، ويعمل على توسيع شقة الخلاف بينهم، عملا بسياسة "فرق تسد".

وأضاف أن موسكو تستخدم فزاعة الجماعات المتطرفة لتبرير إحكام قبضتها على مختلف مناحي الحياة في الجزيرة.

وأوضح أنه لا قيمة لوجود حزب التحرير؛ إذ إن "خلاياه لا تتعدى أصابع اليد الواحدة، لكن موسكو تحاول تضخيمه من أجل ابتزاز وإخافة باقي المواطنين".

ويرى سلطانوف أن سوء الأحوال المعيشية في الجزيرة يلعب دورا في حالة التذمر السائدة بين السكان.

المصدر : الجزيرة