وفقا لمراقبين للعلاقات البريطانية الروسية، فإن تصريحات وزير الخارجية البريطاني بشأن محاسبة روسيا على "جرائمها بحلب" لن تؤدي إلى إحداث أي تغيير بارز، لاعتبارات أهمها انشغال بريطانيا بقضايا الخروج من الاتحاد الأوروبي، وانتظارها ما تفضي إليه انتخابات الرئاسة الأميركية.

العياشي جابو-لندن

أثارت تصريحات وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون، التي دعا فيها إلى ضرورة محاسبة روسيا، وإجراء تحقيق في الجرائم الإنسانية التي ترتكب ضد المدنيين العزّل بحلب؛ تساؤلات عن مدى جدية الموقف البريطاني من تنفيذ هذه التحذيرات على الأرض.

وحذّر الوزير البريطاني -خلال جلسة برلمانية ناقشت الأوضاع المأساوية في حلب- من أن موسكو تخاطر في أن تتحول إلى دولة منبوذة أو مارقة، معتبرا أنه إذا كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يحلم في إعادة أمجاد روسيا باستخدام أساليب تدمير المستشفيات وإزهاق أرواح المدنيين فإنه لن يذهب بعيدا.

وقال إن الأشخاص الذين ينتهكون حقوق الإنسان سيمثلون يوما ما أمام العدالة، ملمّحا إلى أهمية إيلاء دور بارز للمحكمة الدولية لحقوق الإنسان في مقاضاة حتى رموز الدول القوية في المستقبل.

ووفقا لمراقبين للعلاقات البريطانية الروسية، فإن الأمور ستبقى على ما هي عليه الآن، ولن تؤدي هذه التصريحات إلى إحداث أي تغيير أو تأثير بارز، لاعتبارات أهمها انشغال بريطانيا بقضايا الخروج من الاتحاد الأوروبي، وأنها لا تريد فتح ملفات خارجية قوية تستنزف طاقتها.

الانتخابات الأميركية
كما أن الحكومة البريطانية -كغيرها من الدول الغربية- تنتظر ما تفضي إليه الانتخابات الأميركية، ومن يصل إلى سدة الحكم في البيت الأبيض لالتقاط إشارة في كيفية التعامل مع الوضع القائم في سوريا في المرحلة المقبلة.

وترى أستاذة العلاقات الدولية في جامعة كنت الدكتورة إيلينا كوروستيليفا أن تصريحات جونسون لا تنّم فقط عن قلة خبرته في المجال الدبلوماسي، بل تشكل قلقا متزايدا تجاه اتجاهات السياسة الخارجية البريطانية، "التي بدأت تنحو إلى العزلة بدلا من الاستناد إلى مبدأ الواقعية البراغماتية في بناء الجسور، ومحاولة إيجاد أساليب جديدة تقرب الندّ السياسي بدلا من تنفيره".

وأضافت في حديث للجزيرة نت أن التجارب السياسية الماضية أثبتت أن شعبية بوتين ازدادت متانة بفعل مواقفه المتصلبة، وأن إغلاق الباب أمام الطرق الدبلوماسية لن يسهم في إيجاد حلول ناجعة للأزمة القائمة.

لهذا، فالتركيز حتى على إيصال المساعدات الإنسانية للمحاصرين في حلب لم يأخذ حقه من المناقشة الجادة في البرلمان البريطاني، فضلا عن أي خطوات أخرى، رغم صدور بعض التصريحات القوية.

تجدر الإشارة هنا إلى دعوة جونسون الرأي العام الدولي إلى تنظيم مظاهرات حاشدة أمام السفارات الروسية في أنحاء مختلفة من العالم للتنديد بما يجري من تدمير للمستشفيات وانتهاكات لحقوق الإنسان في حلب، وكأنّ ذلك سيزيد الضغط حقا على الرئيس بوتين لتغيير خطته أو العدول عن أهدافه في المنطقة.

لكن رد دبلوماسيين في السفارة الروسية في لندن أفصح عن حقيقة أثر هذه الدعوات، حين اكتفوا في ردهم بتغريدات على موقع تويتر تقول باستغراب "أهذه هي الدبلوماسية البريطانية الجديدة؟"

رغم شدة الغارات التي تستهدف أحياء حلب فإنه من غير المتوقع فرض حظر للطيران (ناشطون)

حظر الطيران
ومن المفارقة هنا، أن وزير الخارجية البريطاني الذي أشار إلى التدهور الكبير في علاقات الدول الغربية بروسيا، الذي لم تشهد له مثيلا منذ انتهاء الحرب الباردة، أحجم عن مناقشة إمكانية فرض حظر على الطيران فوق حلب، بل أخذ موقفا معارضا من بعض النواب الذين حاولوا طرح الفكرة.

وقال خلال المناقشات إنهم لا يستطيعون الالتزام بمنطقة حظر جوي، إلا إذا "كنا مستعدين لمواجهة وربما إسقاط طائرات أو مروحيات تنتهك منطقة الحظر، ينبغي علينا أن نفكر جيدا في العواقب".

وفي نظر محللين، فإنه ليست في نية جونسون التقرب من هذا الموضوع بالمرة، ليس فقط لأن المصلحة البريطانية قد لا تقتضي ذلك، ولكن لأن الدول الأوروبية الأخرى تحكمها أيضا علاقات اقتصادية مع روسيا، لا تستطيع معها حتى تفعيل أي عقوبات اقتصادية حقيقية ضد الرئيس بوتين بسبب اعتمادها على الغاز الروسي.

المصدر : الجزيرة