هناك انقسام بتونس بين من يدعو لتعميم تجربة جمنة في التسيير باعتبارها تضع حدا للفساد وتكرس تجربة الاقتصاد التكافلي ومن يحذر من خطورة استنساخ التجربة لأنها قد تدفع بالبلاد إلى التناحر الجهوي والصراع تحت يافطة استغلال كل جهة لخيراتها الخاصة.

سمير ساسي - تونس

أعادت أزمة واحة جمنة الجدل في تونس بشأن الأملاك العامة للدولة والتصرف فيه، وذلك بعد أن اعتبرت وزارة أملاك الدولة في تونس بيع صابة التمور في واحات جمنة بالجنوب التونسي بيعا مخالفا للقانون.

فحسب ما ورد في بيان لوزارة أملاك الدولة صدر الاثنين 10 أكتوبر/تشرين الثاني الجاري بعد إتمام صفقة بيع تمور الواحة في مزاد علني بلغ ثمنها حوالي نصف مليون دولار (مليون وسبعمائة ألف دينار تونسي)، اعتبرت الوزارة بيع صابة التمور في واحات جمنة بالجنوب التونسي بيعا مخالفا للقانون، وهددت "باتخاذ الإجراءات التي يخولها القانون لملاحقة من تصرّف دون وجه حقّ في الملك العمومي سواء كان ذلك بالبيع أو الشراء".

ورأت الوزارة أن المزاد الذي جرى في التاسع من أكتوبر/تشرين الأول الجاري وأفضى إلى بيع محصول الواحة لا يضفي شرعية على تصرف باطل في الملك العام حسب توصيف الوزارة، مستندة في ذلك إلى إبطال القضاء في منتصف شهر سبتمبر/أيلول الماضي عرض منتوج الواحة من التمور الرفيعة للبيع في المزاد.

ويقول المشرفون على الواحة من أهالي القرية إن الواحة ملك للأهالي استولى عليها الاستعمار الفرنسي، ودفع الأهالي نصف ثمنها للدولة التونسية بعد خروج المستعمرين (40 ألف دينار) في اتفاق مع الدولة لاسترجاع الأراضي، لكن الدولة واصلت تصنيفها ملكا عموميا.

يشار إلى أن أرض الواحة محل الخلاف مساحتها 185 هكتارا (الهكتار عشرة آلاف متر مربع)، وبها 18500 أصل نخيل مثمر من نوعية النخيل الممتاز(دقلة نور كما يعرف في تونس).

الدولة فرطت في الواحة بتأجيرها لمستثمرين خواص قبل الثورة نظير ولائهم السياسي وبثمن بخس لا يتجاوز ربع دولار للنخلة الواحدة التي يقدر مردودها المتوسط بمئة دولار تقريبا

تسيير مقنع
ويؤكد أهالي جمنة أن الدولة فرطت في الواحة بتأجيرها لمستثمرين خواص قبل الثورة نظير ولائهم السياسي وبثمن بخس لا يتجاوز ربع دولار للنخلة الواحدة التي يقدر مردودها المتوسط بمئة دولار تقريبا.

وبعد الثورة شكل الأهالي جمعية أهلية للتصرف في منتوج الواحة تحت اسم جمعية "حماية واحة جمنة"، مؤكدين أن استرجاع الواحة مكنهم من تطويرها والتصرف في منتوجها بشكل شفاف عاد نفعه على القرية في البنية الأساسية والتشغيل والتعليم.

وأوضحوا أن الواحة تشغل 133 عاملا قارا إضافة إلى ستين عاملا موسميا خلال فترة تأبير النخيل والجني، وهو رقم مرتفع مقارنة مع ما كانت عليه الضيعة قبل الثورة، إذ لم يتجاوز سبعة عمال حسب ما أكده الطاهر الطاهري رئيس جمعية حماية واحة جمنة للجزيرة نت.

غير أن هذه المعطيات لا تخفي حقيقة الإشكال القانوني والسياسي الذي أثارته واحة جمنة، فحسب الطاهري فإن الجمعية لا تنازع الدولة في ملكيتها للأرض، وهي مستعدة لكرائها لاستغلالها لصالح القرية.

وقال إن الحل يكمن في اعتماد نص قانوني يخول للدولة كراء الأراضي الفلاحية للهياكل والمؤسسات الخاصة بأمر خاص لاستغلالها، وهذا كفيل بحفظ حق الدولة والأهالي في الوقت نفسه حسب رأي الطاهري.

عبدالواحد يحياوي: الفساد الذي شاب تسيير الواحة كان تحت غطاء هذا القانون (الجزيرة)

إشكال قانوني
غير أن هذا الحل اعتبره المحامي عبد الواحد يحياوي وجه الإشكال القانوني مع الحكومة التي اقترحت سابقا على أهالي جمنة إنشاء شركة استثمارية يخول لها القانون استثمار الأرض على وجه الكراء نظرا لأن القانون يمنع الجمعيات من بعث مشاريع استثمارية.

لكن الأهالي رفضوا المقترح باعتبار أن الشركة الاستثمارية تحصر ريع الواحة في عدد مساهميها الذي لا يتجاوز سبعة أفراد كما يفرضه القانون، في حين تعمم الجمعية الريع على كل الأهالي.

ويضيف يحياوي أن الأمر أعمق من الجانب الشكلي للقانون الذي يثبت ملكية الأرض للدولة، لأن الفساد الذي شاب تسيير الواحة قبل الثورة كان تحت غطاء هذا القانون، والدولة بعد الثورة صمتت عن استغلال الأهالي للواحة طيلة خمس سنوات كاملة مما يعني قبولها لهذا الأمر، ولم يبق غير تقنينه.

وبين من يدعو إلى تعميم تجربة جمنة في التسيير باعتبارها تضع حدا للفساد وتكرس تجربة الاقتصاد التكافلي ومن يحذر من خطورة استنساخ التجربة لأنها قد تدفع بالبلاد إلى التناحر الجهوي والصراع الداخلي تحت شعار استغلال كل جهة لخيراتها الخاصة، تبقى أزمة جمنة موضوعا للمتابعة ينفتح على كل الاحتمالات.

المصدر : الجزيرة