عادت الاضطرابات لتفرض نفسها بقوة على المشهد الإثيوبي بعد أن ساد الظن طويلا بأن إثيوبيا ما بعد الإطاحة بنظام منغيستو هايلي ماريام عام 1991 ربما تكون قد نأت بنفسها عن الاضطرابات والخلافات السياسية التي تسود كثيرا من دول أفريقيا.

ومبعث هذا الظن تجربة الائتلاف الحاكم ونجاحه في تحقيق طفرات اقتصادية مهمة بمساعدة كبيرة من الدول الكبرى، بيد أن ثمة مظالم كانت تضطرم تحت السطح، لم تلبث أن بدأت تعبر عن نفسها، إذ تشهد إثيوبيا احتجاجات ضد الحكومة لا سابق لها منذ عقد من الزمن، بدأت من منطقة إثنية أورومو (وسط وغرب) وامتدت إلى منطقة إثنية أمهرة (شمال).

وتمثل هاتان الإثنيتان نحو 60% من الإثيوبيين، وتحتجان بشكل متزايد على ما يعتبرانه هيمنة بلا منازع لأقلية التيغراي (شمال) على الحكم.

video

وبلغت الاحتجاجات أوجها في ديسمبر/كانون الأول 2015 وأغسطس/آب الماضي عندما تظاهر عشرات الآلاف من الأورومو احتجاجا على قرار حكومي بتوسيع الحدود الإدارية للعاصمة أديس أبابا على حساب أراض يمتلكها مزارعون منهم.

سقط المئات بين قتيل وجريح في حملة قمع دموية خلال الأشهر العشرة الماضية، وجوبهت الحكومة بانتقادات واسعة من المنظمات الحقوقية.

وتسبب العنف في إلحاق أضرار بأكثر من عشرة مصانع ومعدات أغلبها مملوكة لشركات أجنبية يتهمها المحتجون بدفع أموال مقابل عقود إيجار لأراض جرى الاستيلاء عليها، الأمر الذي وجّه ضربة قوية لرهانات الحكومة على أنها جعلت من إثيوبيا نقطة جاذبة للاستثمار.

واقع اضطر معه رئيس الوزراء الإثيوبي هايلي ديسالين الأحد إلى إعلان حالة الطوارئ في البلاد والتشديد على عدم التراجع في مواجهة موجة الاضطرابات.

لكن اللافت، كان توجيه إثيوبيا اتهامات رسمية إلى مصر بالسعي لـ"نسف استقرارها" عبر تقديم "الدعم المالي والتدريب لعناصر إرهابية"، لافتة إلى أنها تملك أدلة واضحة بهذا الخصوص، وقد نفت القاهرة الأمر كليا، وقالت إنها لا تتدخل في الشؤون الداخلية لأية دولة.

رئيس الوزراء الإثيوبي هايلي ديسالين أعلن حالة الطواري في البلاد الأحد (رويترز)

من هم الأورومو؟ ولماذا يحتجون؟
وتعد الأورومو كبرى القوميات الإثيوبية، ويمثل المسلمون أغلبيتها الساحقة، وتحتج منذ عشرات السنين بسبب "انتهاك" حقوقها والتمييز الاقتصادي والمجتمعي الذي تمارسه الحكومة ضدها، وتناضل لإنصافها عبر مجموعة من المنظمات بعضها فصائل مسلحة.

وتحتل منطقة "أوروميا" معظم أراضي وسط إثيوبيا وتشغل كبرى ولاياتها التسع، وتتكون من عشرة أقاليم من أشهرها إقليم "شوا" الذي تقع في قلبه عاصمة البلاد أديس أبابا.

تقدر مساحة منطقة "أوروميا" -التي يطالب أهلها بالاستقلال- بنحو  ستمئة ألف كلم مربع، ويبلغ تعداد قومية الأورومو زهاء أربعين مليونا، وتشكل أغلبية سكان البلاد البالغ عددهم نحو 94 مليون نسمة (حسب إحصاءات 2013) والمكونين من نحو ثمانين عرقية، ثم تأتي بعدها عدديا قومية "الأمهرية" -المهيمنة على حكم البلاد- بنسبة تقدر بـ27%.

وتتهم الأورومو السلطات الإثيوبية بأنها تعتمد تجاهها سياسة القتل والتنكيل والاعتقال العشوائي، واغتصاب النساء والتهجير القسري والاستيطان المنظم والإبادة الجماعية ومحاربة الثقافة الخاصة لقوميتها، وباعتمادها سياسة تكرس انتشار الفقر والتخلف والجهل ومحاربة التنمية والتطور في مناطقها.

كما تشتكي هذه القومية من منع السلطات أبناء الأورومو من استخدام لغتهم في التعليم، حيث يُشترط في من يلتحق بالمدارس والجامعات إتقان اللغة الأمهرية التي يرون أنها "لغة استعمارية".

الأورومو تعاني فقدان الحقوق الأساسية كحرية التعبير والحركة والتجارة وحرية تأسيس الأحزاب والجمعيات (رويترز)

وتعاني الأورومو فقدان الحقوق الأساسية كحرية التعبير والحركة والتجارة، وحرية تأسيس الأحزاب والجمعيات، إضافة إلى ما تسميه "المستقبل المجهول" الذي ينتظر أطفالها المحرومين من مقومات الحياة الأساسية من تعليم وصحة.

ويقول ناشطو الأورومو إن أغلبية أبناء القومية اضطروا إلى ترك مدنهم وقراهم إما إلى المناطق الداخلية أو إلى الخارج بنسبة 75% منذ 1992، نتيجة "السياسات العدوانية" التي تنتهجها السلطات ضدهم.

ويرجعون أسباب استهداف الحكومة الإثيوبية لقوميتهم إلى عوامل، أولها هو خوفها من كثافتها السكانية، وثانيها يتمثل في انتسابهم للإسلام، في حين يتجسد الثالث في تمسك القومية بحق تقرير المصير والاستقلال عن إثيوبيا، إضافة إلى إجلاء مزارعين عن أراضيهم من أجل إقامة مشاريع زراعية تجارية.

المصدر : الجزيرة + وكالات