بعدما كان العراق مصدّرا عالميا للتمور، انكفأ على نفسه وأصبحت نخيله تصارع من أجل البقاء. فالأوبئة التي تصيب المزروعات والحروب والصراعات التي تشهدها المنطقة منذ عقود ألحقت أضرارا كبيرة بالزراعة، وفي مقدمتها التمر بكل أنواعه.

مروان الجبوري-بغداد

تُعرف بلاد الرافدين بأنها أحد أقدم وأشهر مواطن النخيل بالعالم. وقد ذاع صيت التمور العراقية واشتهرت عربيا وعالميا بطيب مذاقها وكثرة أنواعها، لكن الحال لم يعد كذلك في السنوات الأخيرة، حيث تعاني هذه الزراعة من تراجع كبير ومخاطر تهدد بانحسارها عن مناطق متعددة في البلاد.

وقد ساهمت الحروب والصراعات المسلحة في العقود الأخيرة، وما رافقها من إهمال وانتشار للآفات والأوبئة، بتراجع أعداد النخيل في العراق.

وتشير بعض الإحصاءات إلى أن العراق -الذي كان يضم أواخر السبعينيات حوالي 32 مليون نخلة- لم يبق منها اليوم سوى تسعة ملايين، وفق منظمات فلاحية وبيئية، وهو ما جعل الكثيرين يدقون ناقوس الخطر محذرين من انقراض التمر في موطنه الأول.

لكن الوكيل الأقدم لوزارة الزراعة مهدي القيسي ينفى هذه التقارير، ويؤكد أن أعداد أشجار النخيل بالعراق وفقا لتقديرات وزارته تبلغ حوالي 21 مليون نخلة حاليا، مشيرا إلى أن الإحصاءات الدقيقة تتطلب جهدا كبيرا.

وقال القيسي للجزيرة نت إنهم بدؤوا مشروعا لإحصاء أعداد النخيل في البلاد بالتعاون والتنسيق مع وزارة التخطيط، لكن ضعف التخصيصات المالية حال دون إنجازه.

مزارع عراقي (الأوروبية)

 وأشار إلى أن أخطر آفة تواجه أشجار النخيل اليوم بالعراق هي مرض "الدوباس" الذي يؤدي إلى جفافها وتساقط سعفها، بالإضافة إلى "الدودة الحمراء". لكن وزارة الزراعة استطاعت أن تنجز الكثير خلال عامي 2014 و2015 للحد من أخطار هذه الأوبئة عبر استخدام مستخلصات نباتية محلية "وستقضي عليها قريبا".

المياه والتسويق
وقد ساهمت العمليات العسكرية إبان الاحتلال الأميركي وما بعده في احتراق مساحات واسعة من بساتين النخيل وتصحرها بالريف العراقي، لا سيما منطقة حزام بغداد حيث ما تزال تدور رحى الحرب هناك.

ويقول الناطق باسم الاتحاد العام للجمعيات الفلاحية عباس الحلو إن من أهم معوقات القضاء على بعض الأوبئة التي تصيب النخيل كون بعض هذه البساتين تقع بمناطق ساخنة، مما يجعل استخدام الطائرات التي تلقي بالمبيدات لمكافحة تلك الآفات شبه مستحيل.

 ويؤكد الحلو للجزيرة نت أن شح المياه هو أحد أسباب تدهور هذه الزراعة، حيث انخفض منسوبا مياه دجلة والفرات في السنوات الأخيرة بشكل لافت، لا سيما مع قلة حصة العراق من المياه التي تطلقها تركيا من سدودها هناك.

كما أن الدولة -وفق الحلو- لا تستلم محاصيل التمور من الفلاحين، فيضطرون إلى بيعها لأصحاب المواشي أو تسويقها بشكل فردي لعدم وجود مخازن مهيأة للمحافظة عليها، مما جعل الكثير من هؤلاء المزارعين يتركون هذه المهنة ويهجرون بساتينهم.

جندي أميركي يقف بالمنطقة التي استهدف فيها الزرقاوي بغارة (الأوروبية)

آثار الحروب
وترجع جذور هذه المشكلة إلى أيام الحرب العراقية الإيرانية، حيث بدأ الكثير من سكان البصرة في ترك بساتينهم وقراهم والسكنى بالمدينة بعدما أصبحت هدفا للمدفعية الإيرانية عبر الحدود، وهو ما يشير إليه نزار محمد، المهندس الزراعي الذي عمل سنوات في البصرة أيام الحرب مع إيران.

ويقول محمد إن مزارعي النخيل بدؤوا يهربون من المناطق الحدودية المتاخمة لإيران هربا من القصف الإيراني، كما أن الجيش العراقي حوّل الكثير من بساتينهم إلى معسكرات بسبب قربها من مواقع الاشتباكات.

وحين انتهت الحرب -يقول نزار- لم تعد معظم هذه البساتين إلى حالها، بل إن الكثير من أصحابها حولوها إلى متنزهات ومطاعم، مما يهدد بانحسار غابات النخيل التي عرفت بها البصرة منذ زمن بعيد.

ويضيف بالقول إن مياه البصرة التي أصبحت مالحة في معظمها لا تساعد في نمو النخيل، مما جعل الكثير من التجار يبيعون فسائل النخل العراقي إلى بعض دول الجوار، مبديا أسفه على ما وصلت إليه تلك المدينة التي اشتهرت بتمورها الفاخرة التي كانت تصدر إلى جميع أنحاء العالم.

المصدر : الجزيرة