يرى محللون أن القتال بين الجيش التركي والأكراد في جنوب شرقي البلاد ما هو إلا افتعال من حزب العمال الكردستاني لإشغال الحكومة داخليا عما يجري في الشمال السوري حيث يتمدد أكراد سوريا، مرجحين فشل الحزب في مساعيه.

خليل مبروك-إسطنبول

عادت جبهة القتال لتشتعل بين الجيش التركي وحزب العمال الكردستاني خلال الأسبوعين الأخيرين، بالتزامن مع إعلان قادة انفصاليين أكراد بعض المدن في جنوب شرق تركيا مناطق كردية مستقلة ذاتيا.

وبموجب الإعلان الكردي، قالت جماعات من حزب العمال إنها لن تسمح للعاملين في الدولة التركية بالدخول إلى تلك المناطق إطلاقا، في حين ردت الحكومة بتأكيد أن عمليتها التي بدأتها أواسط الشهر الماضي ستتواصل حتى استئصال قوات الحزب بالكامل.

وأعلنت القوات المسلحة التركية السبت الماضي أنها قتلت 261 من المقاتلين الانفصاليين خلال هجماتها التي بدأتها في 16 ديسمبر/كانون الأول الماضي، بهدف قمع التمرد الجديد في محافظتي شرناق وديار بكر اللتين تقطنهما أغلبية من الأكراد.

وحيد الدين إنجة: إقامة منطقة حكم ذاتي للأكراد أمر غير واقعي (الجزيرة نت)

الحرب التكتيكية
ويسود الاعتقاد في أوساط الباحثين في موضوع النزاع الكردي التركي بأن إعلان حزب العمال مناطق للحكم الذاتي في تركيا خطوة "تكتيكية" تهدف إلى إشغال تركيا بحرب استنزاف تمنعها من التدخل في تكوين كيانات كردية في الشمال السوري.

حيث أكد الكاتب والمحلل السياسي المتخصص بالشؤون الكردية وحيد الدين إنجة أن إقامة منطقة حكم ذاتي للأكراد أمر غير واقعي، لعدم وجود مؤشرات تدل على إمكانية نجاح تلك المساعي، فضلا عن استحالة سلخ مناطق جغرافية عن دولة قوية عسكريا واقتصاديا مثل تركيا عبر صدام مسلح.

وقال إنجة إن هذا المسعى "سيتسبب في الضرر للأكراد بدلا من أن ينفعهم، لأن الجماعات التي تطالب بالحكم الذاتي لا تملك المقومات للحفاظ عليه، وبالتالي فإن الهدف من هذا الإعلان هو الحفاظ على المناطق التي يعدّها حزب العمال وتفرعاته مكتسبات في الشمال السوري".

وقلل إنجة من أهمية إعلان حزب العمال الكردستاني الانفصال، ومقابلته من الحكومة بالإعلان عن اجتثاث مقاتلي الحزب، مؤكدا أنها مجرد تصريحات إعلامية يقابلها إدراك الطرفين بأنهما يخوضان حربا "لا غالب فيها ولا مغلوب".

وأشار إلى أن هناك مطالب حقوقية للأكراد، لا يمكن التعامل معها بالنهج العسكري الذي فشل طوال أربعين عاما في عهد "تركيا القديمة الكمالية"، رغم إدراك الجميع حق الدولة في منع حمل السلاح بوجهها، داعيا الجميع إلى سلوك طريق ثالث لحل الأزمة دون سلاح.

جان أجون: أكراد سوريا يخططون للانتقال إلى غرب الفرات (الجزيرة نت)  

العين على سوريا
وكان حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي (بي واي دي) حقق تكاملا جغرافيا بين المناطق التي يسيطر عليها في شمال سوريا، بعدما بسط سيطرته على منطقة تل أبيض، الأمر الذي مكنه من بناء خط جغرافي متصل بين الجزيرة وعين العرب.

ورأى جان أجون الباحث في علاقات الجوار التركي بمركز ستا للدراسات أن الاتحاد الديمقراطي الذي يعدّ امتدادا لحزب العمال الكردستاني في سوريا يخطط للانتقال إلى القسم الغربي للفرات، وضم عفرين لتكوين خط في الجنوب التركي.

ورأى أجون أن تصعيد حزب العمال الكردستاني للمواجهات في تركيا تكتيك يهدف إلى تحويل انتباه أنقرة إلى الداخل، لتحقيق الإستراتيجية المتمثلة في حفظ مكتسبات الـ"بي واي دي" في سوريا وضم عفرين إلى مقاطعاته، مستبعدا أن ينجح الحزب في هذا المسعى في مواجهة الدولة التركية.

وكانت تركيا أعلنت على لسان رأس هرمها السياسي ممثلا في الرئيس رجب طيب أردوغان ورئيس الحكومة أحمد داود أوغلو أن عبور المقاتلين الأكراد إلى غرب الفرات خط أحمر لن تسمح به، وأنها ستتخذ "تدابير" لمنع ذلك، في إشارة إلى إمكانية أن تتدخل عسكريا.

وفي حديثه للجزيرة نت، نبّه آجون إلى أن حزب العمال بدأ يتخذ أسلوبا جديدا في تمرده، يرتكز على جر الحرب إلى المدن وإعلان ثورة شعبية، لكنه أوضح أن هذا الأسلوب قوبل بالرفض وعدم الاستجابة من قبل الشعب التركي في المنطقة.

كما أشار إلى أن محاولة تحقيق المطالب الكردية بالحكم الذاتي عبر الصدام المسلح أثر سلبا على أعمال المواطنين وحياتهم، وتسبب في ردة فعل شعبية قوية ضد الحزب، وانخفاض حاد في الدعم السياسي الذي يتلقاه من سكان جنوب شرق تركيا.

المصدر : الجزيرة