حاورته/أميمة أحمد-الجزائر

طالب رئيس جبهة العدالة والتنمية عبد الله جاب الله السلطة الجزائرية بالحوار بشأن تأسيس هيئة وطنية مستقلة لتنظيم الانتخابات، منتقدا تعديل الدستور لأنه لا يحمي الحريات كما يقول.

ويعد جاب الله من أبرز القيادات الإسلامية الجزائرية، ودخل العمل السياسي مبكرا، وترشح للانتخابات الرئاسية مرتين في 1999 و2004، وكان من دعاة المصالحة الوطنية والعفو الشامل إبان أزمة العنف الجزائرية، له مؤلفات عديدة تتناول الوضع الجزائري، وقد التقته الجزيرة نت وأجرت معه الحوار التالي:

طرح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة مشروع تعديل الدستور ويُرتقب تمريره في البرلمان، ما موقفكم؟

الدستور وضعته السلطة القائمة، ونحن نطالب السلطة بشيء واحد وهو الحوار مع المعارضة حول الهيئة الوطنية المستقلة التي تشرف على تنظيم انتخابات رئاسية، هذا هو الموضوع الوحيد.

لقد وصلتني وثيقة حول تعديل الدستور، أصحابها روجوا لها، ووعدوا الناس بأنها ستأتيهم بالخير الكثير، فدرستها وأخواني في الحزب ووجدنا فيها ما لا يقل عن مئة عوار وعيب، وحتى بمنطق  السلطة هذه الوثيقة ينبغي ألا تمر عن طريق برلمان، لأن التعديلات مست مواد كثيرة، ومن الضروري أخذ رأي الشعب، ولكن تعديل الدستور سيمر بالبرلمان، وهل هناك برلمان؟! البرلمان لهم وهم أحرار، ولكن نحن نقول كلمتنا التي نلقى بها الله تعالى.

ما الخلل بتعديلات الدستور الحالي؟
الخلل في جميع الأبواب، في الباب الأول نقص واضح في النص على المرجعيات الفكرية، فيه تقصير في طبيعة نظام الحكم جمهوري رئاسي؟ في باب الحريات نقص لعديد من الحريات، هذا متعمد، ثم تغييب شبه كامل لموضوع الضمانات التي تحمي الحريات والحقوق من التجاوزات.

وفي باب الصلاحيات هناك صلاحيات واسعة لرئيس الجمهورية قزم معها السلطة التشريعية لتصبح وظيفتها أن تصدق على ما يراه الرئيس، والسلطة القضائية أصبحت وظيفة قضائية، وهناك تغييب كامل للرقابة على أعمال السلطة، فمجلس المحاسبة المذكور بالتعديل هيئة استشارية تقدم تقريرها السنوي لرئيس الجمهورية الذي يعين أعضاءه، فتقزم دوره الرقابي.

قدم النظام تعديل الدستور وفق رؤيته بعد مشاورات أنتم قاطعتموها، ما بديلكم؟
أجمعت المعارضة المنضوية في تنسيقية الانتقال الديمقراطي على خارطة طريق واضحة من ثلاث نقاط:

1- ضرورة تأسيس هيئة وطنية مستقلة دستورية يوكل لها الملف الانتخابي بدءا باستدعاء الهيئة الناخبة، انتقالا إلى مراجعة القائمة الانتخابية، مرورا بجميع حلقات العملية الانتخابية، وانتهاء بمراقبة الانتخابات وفرز الأصوات، وأخيرا إعلان النتائج.

2- تنظيم انتخابات رئاسية تحت إشراف هذه الهيئة.

3- الرئيس المنتخب بهذه الانتخابات الحرة والنزيهة يباشر حوارا مع الشركاء السياسيين حول وضع دستور توافقي، يجب أن يتدارك كل النقائص والغموض بالدستور الحالي.

أما حوارات السلطة فكانت مسرحية مفرغة من محتواها، روج لها الإعلام الرسمي لتخدير الرأي العام وإيهام الشعب بوجود حوار، بعد كل هذا جاءت التعديلات، من بينها لجنة مستقلة لمراقبة الانتخابات، واللجنة موجودة من قبل، ولكن كانت تنصب بمرسوم رئاسي، والآن صارت دستورية ليس إلا، ولكن لا دخل لها مطلقا في تنظيم العملية الانتخابية التي ما زالت بيد وزارتي الداخلية والعدل.

هذه النخبة الحاكمة لا تريد أن يمارس الشعب سلطته الحقيقية باختيار من يرضى عنه ليحكمه، ولا التداول على السلطة من خلال انتخابات حرة ونزيهة.

أقال الرئيس بوتفليقة جنرالات وموظفين سامين بالدولة، بعض المعارضة اعتبرتها من صلاحيات الرئيس الدستورية لإصلاح النظام، والبعض الآخر فسرها بصراع في هرم السلطة، كيف ترونها؟
لا أقف عند هذه الشكليات، الذي يهمني هل مثل هذه الإقالات أو التعديلات تضع الجزائر في طريق الإصلاحات الحقيقية؟ أنا لا أعتقد ذلك، لأن الفساد الموجود في الجزائر سببه النظام ممثلا في المؤسسات الخاضعة لأناس استغلوها استغلالات غير قانونية وغير دستورية وغير أخلاقية أحيانا، والبعض منهم له نفسية استئصالية، هذه لا أعممها.

الإصلاح لا يكون إلا بإصلاح النظام في بنيته المؤسساتية والقانونية التي تكون أولا بوضع دستور توافقي حقيقي، وثانيا بإصلاح الرجال، الرجال الذين يقومون البلاد، يؤسفني أن أقول إن معظمهم ليسوا أهلا لتولي مثل هذه المسؤوليات، وإذا نسب الأمر إلى غير أهله كما جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم "فانتظروا الساعة"، ولذلك مثل هذه التعديلات التي تغير وجوه وتأتي بوجوه من نفس المدرسة لا تغير شيئا بالواقع.

جاب الله أثناء حواره مع الجزيرة نت

أنتم من دعاة ترقية المصالحة إلى عفو شامل، وقد حسم الرئيس بوتفليقة برفضه القاطع للعفو الشامل، وأكد أن ميثاق المصالحة اختاره الشعب ويطبق بحذافيره، هل أغلق الباب أمام دعوتكم؟
نحن لم نأخذ تفويضا من أحد، ونحن دعونا للمصالحة الوطنية قبل أن يكون بوتفليقة رئيسا، واستمر نضالنا من أجل المصالحة الوطنية سنوات طويلة، ولم نسمع له رأيا في موضوع المصالحة أو الأزمة، هو جاء للرئاسة في 1999، وبدأ يتحدث حول هذا الموضوع، لكن الأزمة بدأت قبل ذلك بسنوات عدة.

ونحن طوال تلك السنوات نناضل من أجل الإقناع بالمصالحة، يومها دعونا كذلك للمصالحة الشاملة والعفو الشامل، وقدمنا يوم كنت رئيس حركة النهضة الإسلامية أول تصور مكتوب للمصالحة  "ميثاق المصالحة الوطنية" عام 1992، وظهر بعده تصور جماعي لمجموعة 7+1، فدعوتنا للمصالحة الشاملة وصولا إلى عفو شامل تحت شعار "عفا الله عما سلف للجميع"، ونوكل أمر الجميع لله سبحانه عز وجل.

تراجعت مداخيل الجزائر زهاء 60% نتيجة انهيار أسعار النفط، وتحملون النظام مسؤولية ما آلت إليه البلاد من أزمة اقتصادية، ما رؤيتكم  للخروج من الأزمة؟
من مقولات مالك بن نبي "القابلية للاستعمار"، وفي كتاب لي صدر حول الفساد بالجزائر قست على كلام بن نبي "القابلية للفساد والإفساد"، هناك شرائح واسعة من الشعب الجزائري قابلة للإفساد والفساد بسبب ممارسات النظام بالفساد والإفساد نتيجة تغييب القانون وأيضا عدم أهلية المسؤولين، والابتعاد عن الأخلاق في إدارة المسؤوليات والتعامل مع المال العام.

للخروج من الأزمة نرى حلا سريعا وآخر على المديين المتوسط والبعيد، والأخير يرتكز على الجهود التربوية والتعليمية التي تبذل لتنشئة أجيال صالحة عالمة بدينها وبواقعها وعصرها، وتعي مسؤولياتها وفق مناهج ملتزمة أخلاقيا، شعارها "الإنسان الصالح هو سبيل التنمية السليمة والصحيحة والنهضة الحضارية المنشودة وهو غايتها أيضا".

أما الحل القريب فهو خارطة طريق قدمناها في إطار التنسيقية لمعالجة الفساد، وهذا لا يمكن تحقيقه مع السلطة القائمة لأنها لا تريد إصلاحا، لذلك طالبنا بالمفتاح الأساس الذي يسمح لنا بالسير في إصلاحات حقيقية وهو ملف الانتخابات النزيهة، ودستور توافقي يسمح بإقامة دولة بيان أول نوفمبر، الدولة الجزائرية الديمقراطية والاجتماعية ذات سيادة في إطار المبادئ الإسلامية، هذه الطريقة كفيلة بأن تضع الجزائر في الطريق الصحيح.

موقف الجزائر من القضية الفلسطينية "مع فلسطين ظالمة ومظلومة"، كيف ترونه واقعيا؟
منطق الشعار جيد طبعا ولكن الموقف العملي فيه ضعف، أيعقل مثلا أن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين جمعت مواد إغاثية لغزة ومصر منعت مرورها فحولوها إلى الصحراء الغربية، ماذا كان موقف النظام الجزائري الرسمي؟ لا شيء.

أليس هو متضامنا مع جرائم النظام الرسمي المصري بحق الشعب الفلسطيني؟ فالعلاقات جيدة بين مصر والجزائر، أين أثر هذه العلاقات على مواقف جادة لنصرة الشعب الفلسطيني في غزة؟ مواد إغاثية منعت من دخول غزة، حفروا الأحواض المائية بمحيط غزة، وأغلقوا معبر رفح الذي لا يفتح إلا نادرا، أين الموقف الجزائري من هذا؟ هذا مثال بسيط، لماذا لا يضغط النظام الجزائري على النظام المصري، إما أن ترفعوا يدكم عن غزة بفتح المعبر وتجففوا الأحواض المائية وإما لا علاقة بيننا وبينكم، لو وقع مثل هذا التهديد لكان له أثره لاحقا إيجابيا على سياسات العدوان.

المصدر : الجزيرة