خميس بن بريك-تونس

بعد أسبوع على اندلاع احتجاجات عارمة للعاطلين عن العمل في تونس امتدت في كامل البلاد للمطالبة بالتشغيل والتنمية في جهاتهم المحرومة، ما يزال الاحتقان الشعبي ملموسا في بعض المناطق.

يأتي ذلك في وقت تحاول فيه الحكومة تهدئة الأوضاع وتحمّل وزر أزمة البطالة التي تعصف بأكثر من سبعمائة ألف شخص.

وفي العاصمة تونس، لا يبدو الوضع أكثر هدوءا، فبعد أيام عصيبة من مواجهات عنيفة بين رجال الشرطة ومتظاهرين تورطوا في عمليات حرق ونهب في خضم تلك الاحتجاجات، عادت المسيرات وإضرابات الجوع تطل برأسها من جديد للضغط على الحكومة من أجل تحسين الأوضاع في بلد مأزوم.

وفي مشهد مصغر يختصر بعض ما يجري بالعاصمة، يعتصم عمال مضربون عن الطعام أمام مقر شركة الكهرباء والغاز الحكومية طلبا في تسوية أوضاعهم المهنية، بينما يخوض على بعد أمتار عناصر شرطة السجون والإصلاح اعتصاما في خيمة نصبوها أمام مقر إدارتهم للمطالبة بزيادة الرواتب.

جانب من احتجاجات معطلين عن العمل وسط العاصمة (الجزيرة)

احتجاج وضغط
ويقول بو جمعة (30 عاما) حاصل على شهادة جامعية ويعمل بوابا بالشركة التونسية للكهرباء والغاز إنه يخوض مع عدد من زملائه منذ أكثر من ثلاثة أسابيع إضرابا عن الطعام احتجاجا على رفض الإدارة تسوية وضعيتهم واحتساب شهاداتهم العلمية للتدرج في السلم الوظيفي.

ويعمل جزء من أصحاب الشهادات العليا المعطلين عن العمل، وعددهم الإجمالي يفوق ثلاثمئة ألف شخص، في مهن هشة وبرواتب متدنية لا تتناسب مع مستوياتهم العلمية، في ظرف اقتصادي صعب اضطرت فيه الحكومة لخفض التعيين في الوظائف الحكومية التي بلغت مستويات قياسية زادت من اختلال التوازنات.

ومع اشتداد أزمة البطالة الخانقة التي انتفض الشباب التونسي على استفحالها قبل خمسة أعوام على نظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، يخشى بعض المراقبين من أن تتحول احتجاجات العاطلين عن العمل إلى مقدمة لثورة شعبية جديدة في ظل تعثر العدالة الاجتماعية وتدهور الأوضاع الاقتصادية.

الحاج سالم: إمكانية انحراف احتجاجات المعطلين عن مقاصدها تبقى واردة (الجزيرة-أرشيف)

أزمة ومخاوف
ويقول زياد، وهو شاب عاطل عن العمل للجزيرة نت، إن أزمة البطالة أصبحت بمثابة القنبلة الموقوتة التي يمكن أن تتسبب في عصيان مدني يدخل البلاد في دوامة عنف ما لم تحرك الحكومة ساكنا باتخاذ إجراءات جدية لامتصاص هذه الأزمة التي ارتفع مستواها إلى 15.3% وفق المعهد التونسي للإحصاء.

وبشأن إمكانية اندلاع انتفاضة شعبية جديدة، يقول الباحث الاجتماعي محمد الحاج سالم للجزيرة نت إن الثورة حركة تسير في الزمان لعدة سنوات وعقود.

واعتبر سالم أن ما يحصل من احتجاجات هو استكمال للمسار الثوري الذي نتج عنه تغيير على المستوى السياسي من دون أن يرافقه نهوض اقتصادي أو اجتماعي.

غير أنه يرى أن إمكانية انحراف احتجاجات العاطلين عن مقاصدها تبقى واردة إذا لم تعالج الحكومة الأزمة الاجتماعية وتشعر الناس بشروعها في تنفيذ خطوات عاجلة لمعالجة الأزمة القائمة، مبينا أن الإشكال يكمن في غياب خطاب مطمئن وبرنامج وطني واضح يكون حوله إجماع سياسي لحل أزمة البطالة.

 الجودي: لا بد من إعطاء نفس جديد للحكومة (الجزيرة-أرشيف)

نفَس جديد
من جانب آخر، يؤكد الخبير الاقتصادي معز الجودي أنه لا بد من إعطاء نفس جديد للحكومة من خلال إجراء تعديل كلي يقوم على أساس الكفاءات بعيدا عن المحاصصة الحزبية لوضع برنامج إنقاذ وطني، معتبرا أن "حكومة الحبيب الصيد أصبحت فاقدة للمصداقية وغير قادرة على مجابهة التحديات".

ويقول الجودي للجزيرة نت إن الاحتجاجات الأخيرة مشروعة وتأتي في إطار استكمال مسار ثوري متعطش لتحقيق حلول ملموسة على أرض الواقع في وقت شهدت فيه البلاد غياب الاستقرار السياسي من خلال تعاقب ست حكومات بعد الثورة بلا برامج أو إنجازات مما تسبب في تراجع أغلب المؤشرات الاقتصادية.

ورغم أن وزير التجارة محسن حسن يقر بالظرفية الصعبة التي تمر بها البلاد مع أنها تسير على سكة الانتقال الديمقراطي، فإنه يقول للجزيرة نت إن الحكومة الحالية تسعى لاستيعاب حوالي 126 ألف عاطل عن العمل هذا العام إضافة إلى الإحاطة بنحو خمسين ألفا من حاملي الشهادات لإدماجهم في الشغل.

وكشف حسن بأن الحكومة تستعد لإطلاق برنامج تنموي خماسي يمتد إلى سنة 2020 من أجل دفع عجلة التنمية وتحسين البنية التحتية في المناطق الفقيرة وخلق مواطن الشغل.

يُشار إلى أنه من المتوقع أن يطرح رئيس الحكومة في جلسة عامة أمام البرلمان غدا الأربعاء مشروع البرنامج.

المصدر : الجزيرة