ناصر البدري-لندن

أظهر استطلاع رأي بريطاني أشرفت على إنجازه جامعة لانكستر حول المسيحية والتوجهات الدينية الجديدة، أن نحو 50% من السكان الأصليين في المملكة المتحدة لا يعدون أنفسهم مسيحيين، وأن 46% من البالغين لا يدينون بأي دين.

وكشف الاستطلاع الذي شاركت فيه عينة من 1668 شخصا الشهر الماضي، تنامي ظاهرتين أساسيتين: الأولى نفور السكان الأصليين عن الديانة المسيحية، والثانية النزوع إلى العلمانية وعدم التدين.

ويعتقد منجزوه أن نتائجه تشير إلى تحول جذري في بنية المجتمع البريطاني من مجتمع كان جل سكانه الأصليين- قبل عقدين أو أكثر- يعتبرون أنفسهم مسيحيين، إلى مجتمع فيه شريحة واسعة بلا هوية دينية.

وقالت أستاذة علم الاجتماع في جامعة لانكستر البروفيسورة ليندا وود هيد إن "اللادينية أصبحت الصفة الغالبة، وهذه الظاهرة مرشحة للارتفاع"، مضيفة "نرى أن نحو 95% من الأشخاص الذين لم يحصلوا على تنشئة دينية يحتفظون بتلك الهوية، بينما يفقد نحو 40% من الذين حصلوا على تنشئة دينية هذه الهوية".

وكشفت تقارير أعدتها مراكز بحثية مختلفة تراجع المسيحية في أوساط السكان الأصليين ببريطانيا وإقبالا على العلمانية، وأظهرت بالمقابل تناميا كبيرا للمسيحية في صفوف الأقليات المهاجرة من أفريقيا ودول آسيا والكاريبي، وأصبح المهاجرون يشكلون أكثر من 90% من مرتادي بعض الكنائس في شرقي وجنوبي لندن.

المسجد المركزي وسط لندن (الجزيرة)

كما أظهرت دراسات إقبالا من البريطانيين على اعتناق الإسلام، وإقبال المهاجرين من أصول إسلامية على المساجد.

جمعية البريطانيين للدفاع عن العلمانية استثمرت نتائج الاستطلاع ودعت إلى ضرورة أن يأخذ العلمانيون ومن لا يتبنون أي ديانة حظهم في المجتمع، وأن يترجم ذلك في التشريعات والقوانين والتعيينات وغيرها.

وقال المتحدث باسم الجمعية بنيامين جونز إن "الاستطلاع يسلط الضوء على تحول ثقافي وديمغرافي جديد يتشكل في بريطانيا منذ عقود. وحقيقة هذه الثقافة أن بريطانيا ليست دولة متدينة، كما أنه لا يمكن وصفها بالدولة المسيحية"، مضيفا أن "السياسيين ظلوا لوقت طويل بطيئين في استيعاب هذه التحولات العميقة، ولكن بعد تجذر هذه الحقائق الجديدة".

وعبر جونز عن أمله في أن ينال العلمانيون والذين لا يتبنون أي ديانة قسطهم ضمن المعادلة الاجتماعية، سواء تعلق الأمر بالتمثيل السياسي أو المشاركة في المؤسسات الاقتصادية الحكومية أو الخاصة، أو حتى عندما يتعلق الأمر بأنظمة التعليم والدراسة.

ورغم تأكيد كبير أساقفة كانتبري جيستن ويلبي رئيس الكنيسة الأنجليكانية التي ينتمي إليها غالبية المسيحين في بريطانيا، أن الكنيسة لا تزال عنصرا مهما جدا في حياة كثير من الناس، وتشكل مركز قيادة بالنسبة لكثير من البريطانيين، فإنه أقر هو ونائبه جون سانتامو بوجود تحديات تواجه الكنيسة والديانة بشكل عام.

واعتبر أنها مطالبة بابتكار أساليب جديدة لإرساء دعائم الروحانية والدين بعيدا عن الأساليب التقليدية، والاستفادة من وسائل التواصل الاجتماعي.

وتحدث سانتامو -المنحدر من أصول أفريقية- عن دور جديد يتعين على الكنيسة القيام به في ظل طغيان قيم المادية والإلحاد لتعطي لحياة الناس بعدا روحانيا وتستجيب لحاجياتهم، من قبيل إطعام الفقراء والتكفل بالمعوزين من طالبي اللجوء، وتوفير المأوى لمن لا مأوى لهم.

وعرفت بريطانيا في السنوات الأخيرة تناميا للعمل الخيري كصناديق الطعام التي تتولى جمعيات مسيحية وأحيانا إسلامية الإشراف عليها تمويلا وإدارة، وتساعد آلاف الأسر المحتاجة على سد رمق أبنائها خاصة في أوساط الطبقة العاملة.

وتحدثت إحصاءات غير رسمية عن نحو 350 ألف أسرة مسجلة لدى عدد من الجمعيات الدينية المسيحية في بريطانيا، بينما يقدر خبراء عدد الذين يعتمدون على معونات مثل تلك الجمعيات الخيرية بأكثر من مليون شخص.

المصدر : الجزيرة