يبدو أن العنف الممارس من قبل الدولة وأجهزتها الأمنية بمصر وانسداد الأفق السلمي للتغيير، يدفعان بالشباب لأحضان تنظيم الدولة الذي بات يضرب في القاهرة الكبرى، بعد تبنيه تفجير بمنطقة "الهرم" إضافة لانتشار شعارات مؤيدة للتنظيم على جدران مبان بالعاصمة.

عبد الله حامد-القاهرة

عندما قرر الضابط المصري أحمد الدروي عام 2006  خلع نجومه وتقديم استقالته اعتراضا على ممارسات وقمع الشرطة، لم يكن يعلم أن الأمر ينتهي به عنصرا في تنظيم الدولة الإسلامية ويقتل في العراق.

الرجل الذي شارك بكافة محطات ثورة يناير، وانتخابات 2011 البرلمانية كمنافس للبرلماني العابر للأنظمة مصطفى بكري والذي فاز بـ"طرق ملتوية" كما صرح الدروي وقتها. وقد أيد الأخير الرئيس المعزول محمد مرسي، ثم اختفى عقب الانقلاب.

رحلة الدروي ذاتها، سلكها المئات من شباب الثورة اليائسين من التغيير السلمي، تختلف التفاصيل عند الحَكَم "محمود الغندور" الذي شارك بمظاهرات تلت مذبحة "رابعة" ثم اختفى لينشر صوره بـ"سوريا" على تويتر مع صديقه لاعب كمال الأجسام المصري "إسلام يكن" مبايعين للتنظيم.

ونشرت حسابات تابعة لـ"ولاية سيناء" صور "أبو وضاح المهاجر" مفجر مقر إقامة قضاة الانتخابات البرلمانية الأخيرة بالعريش (سيناء) فتعرف عليه أصدقاؤه مؤكدين أنه كان عضوا بحزب "الدستور" وحملة محمد البرادعي الرئاسية.

ويتزايد استهداف شخصيات رفيعة ومبان حصينة، وتنازع تنظيم الدولة وحركة "العقاب الثوري" إعلان المسؤولية عن التفجير بمنطقة الهرم قبيل الذكرى الخامسة للثورة.

وعلى الرغم من دلالات تلك المشاهد، لايزال أمل التغيير السلمي يراود قيادات حركة "شباب ضد الانقلاب" التي أصدرت مؤخراً بياناً داعية الشباب للتظاهر بالذكرى الخامسة لـ"ثورة يناير البيضاء".

video

انسداد الأفق
وعن هذا يقول الطالب الأزهري أسامة إبراهيم، للجزيرة نت، إن "الحصار الخانق للحراك السلمي دعا الكثيرين للتفكير في الانضمام لداعش (تنظيم الدولة) معتقدين أنه الحل للخلاص من النظام، ولكن سرعان ما تراجعوا مقتنعين بضرورة امتلاك أدوات الحسم الثوري".

في السياق، يرى الطبيب عمر عبد الله أن العنف "ليس شرا كله، ولا يعني حمل السلاح فقط، وهو غير الإرهاب الذي ينشأ في ثقافة مجتمعية تدعمه، وهو ما ليس متوافرا بالحالة المصرية" مضيفاً أن "انغلاق السبل يقود إما لعنف أو لمرض نفس مجتمعي".

وفي تحليله للمشهد، يرى المحلل السياسي تامر وجيه أن "اليأس من الثورة، والقمع وتصفية التحول الديمقراطي، مع استمرار نفس الظلم، عوامل تقوي العمل المسلح".

ويمضي وجيه -في حديثه للجزيرة نت- أن "التحدي الرئيس للثورة الآن هو الثبات بمواجهة اليأس والإرهاب معاً، والعمل الشعبي بصبر وتصحيح للأخطاء".

ويؤكد الباحث في الحركة الاجتماعية أن "القمع البالغ للإسلاميين يصب في خيار تبني العنف، لكن هناك مقاومة من جانب تيار واسع من الإسلاميين المعارضين للجنوح للعنف، وأغلبية أعضاء الإخوان لم يتبنوا الرؤية الجهادية".

ورأى المحلل السياسي والكاتب أسامة الهتيمي أن "انسداد الأفق السياسي يزيد عمليات العنف، ويوفر بيئة للتنظيمات المتطرفة التي تنتشر أكثر بالدول التي فقدت سيطرتها المركزية وعانت من سياسات الإقصاء".

وزاد الهتيمي -في حديثه للجزيرة نت- "العمليات الإرهابية في مصر تستنكرها الأغلبية إلا أنها تحظى بقبول لدى اليائسين من السبل الشرعية، والتكهن بمستقبل هذه التنظيمات بمصر مرتهن بفتح الأفق السياسي، مما يحتم الإسراع بتحقيق الوفاق الوطني".

المصدر : الجزيرة