بعد خمس سنوات من اندلاع ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 التي أطاحت بالرئيس المصري حسني مبارك، يحكم مصر مجددا نظام بقبضة حديدية يسحق معارضيه ويصادر كل مساحة للاحتجاج، في وقت تواجه فيه البلاد خطرا جهاديا متناميا واقتصادا متداعيا.

وباستثناء جماعة الإخوان المسلمين المحظورة التي ينتمي إليها الرئيس المعزول محمد مرسي، لم تدع أي كيانات أخرى إلى المشاركة في تجمعات يوم الاثنين في الذكرى الخامسة لثورة 2011.

وفي الوقت الذي يستمر فيه منع التظاهر في مصر، حذّر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي نهاية الشهر الماضي من المظاهرات في ذكرى الثورة، قائلا إن "الدول التي تدمر لا تعود".

تدابير مكثفة
ومنذ أسابيع، كثّفت الشرطة تدابيرها ضد معارضي الرئيس المصري. وألقت السلطات القبض على ناشطين معارضين خلال مداهمات ليلية. كما أغلقت وداهمت مراكز ثقافية ودور نشر تعد ملاذا للأصوات والأفكار الناقدة للسلطة.

ويقول مصطفى ماهر، وهو عضو مؤسس في حركة 6 أبريل التي شاركت في إطلاق الدعوة إلى ثورة 2011، إنه "في الوقت الذي يتحدث فيه الرئيس عن احتواء الشباب، يواجه كل من شارك في ثورة يناير حملة اعتقالات شرسة وتلفيق اتهامات وهمية".

ويروي ماهر أنه لا يستطيع المبيت في منزله مؤخرا خشية مداهمة أمنية شبيهة بتلك التي استهدفت زملاءه الناشطين، متابعا "رغم أنني لست مطلوبا على ذمة قضية بعينها، إلا أنه يمكن تلفيق اتهامات وهمية تزج بي في السجن".

وقد شكّلت عقود من انتهاكات الشرطة في عهد مبارك وقودا للثورة التي اندلعت في 2011 وأشعل خلالها المتظاهرون عشرات أقسام الشرطة.

وخلال الأشهر الماضية بدا وكأن الانتهاكات تعود مجددا، إذ أفادت تقارير بمقتل موقوفين في هذه الأقسام.

خلال المواجهات مع قوات الأمن يوم 28 يناير/كانون الثاني 2011 (رويترز)

أرقام ودلالات
تشير الأرقام إلى أنه ومنذ إطاحة الجيش بمرسي في يوليو/تموز 2013، قتل 1400 من أنصاره، وسجن أكثر من 15 ألفا في حملة قمع واسعة امتدت لتشمل النشطاء العلمانيين واليساريين، وكثير منهم من رموز الثورة.

يأتي ذلك في وقت صدرت مئات الأحكام بالإعدام في محاكمات جماعية نددت بها الأمم المتحدة.

ويقول الباحث كريم بيطار من معهد العلاقات الدولية والإستراتيجية في باريس إن نظام السيسي سحق ثورة 2011.

وأضاف لوكالة الصحافة الفرنسية أنه "أصبح من الواضح أن الثورة المضادة انتصرت، وأن كل الآمال أحبطت. يسود مناخ غير صحي في مصر بعض جوانبه تذكر بالقمع العنيف"، وتابع "الثورة صودرت ودفنت".

من جهتها ذكرت منظمة العفو الدولية أن مصر اليوم "غارقة في أزمة حقوق إنسان ذات أبعاد هائلة"، في وقت "يشهد البلد عودة الدولة البوليسية".

وأضافت في تقرير "دفع المتظاهرون السلميون والسياسيون والصحفيون ثمن حملة لا هوادة فيها ضد المعارضة المشروعة تقوم بها الحكومة والقوى الأمنية".

ميدان التحرير الذي شهد اندلاع الثورة على مبارك (رويترز)

تضييق أمني
في محيط ميدان التحرير الذي انطلقت منه الثورة على مبارك، أغلقت السلطات خلال الأشهر الأخيرة منطقة مقاهي "البورصة"، وهي مركز رئيسي لتجمع الناشطين.

كما أغلقت مركز "تاون هاوس" ومسرح "روابط"، وهو مركز ثقافي يوفر مساحة لفرق هواة لتقديم عروض مسرحية وموسيقية. وتعرضت دار "ميريت" للنشر في المنطقة لمداهمة قبل ساعات من تنظيمها حفل توقيع كتاب عن الفساد.

ويشكو صاحب دار "ميريت" للنشر محمد هاشم من "محاولة لتأميم المجال العام". ويقول "النظام يحاول حصار كل ما له علاقة بروح ثورة يناير: ميدان التحرير، وسط البلد، المراكز الثقافية".   

ويرى البرلماني السابق مصطفى النجار بدوره أن "النظام الحاكم يعادي ثورة يناير".

ويضيف طبيب الأسنان الذي أصبح يكرس كل وقته حاليا لمرضاه "نظام مبارك كان مقتنعا بأهمية وجود معارضة حتى لو شكلية. الآن لا يوجد أي منفذ لأي ممارسة سياسية سواء أكان عملا حزبيا أو نقابيا أو مجتمعا مدنيا".

 النظام المصري الحالي أحكم قبضته الحديدية على البلاد (رويترز-أرشيف)

وضع سيئ
ويرى مدير الشبكة العربية لحقوق الإنسان جمال عيد أن "المقدمات والأسباب التي أدت لثورة يناير موجودة، والخصومة الآن أكبر مع الدولة"، مشيرا إلى أن "حالة حقوق الإنسان الآن هي الأسوأ في تاريخ مصر، أسوأ من عهد الإخوان والمجلس العسكري ومبارك".

وتتحجج السلطات المصرية بالـ"حرب ضد الإرهاب" لتبرير انتهاكات حقوق الإنسان، ويحذو الإعلام حذوها.

ويقول مسؤول في وزارة الداخلية المصرية إن الإجراءات الأمنية "لا تهدف للتضييق على الشباب ولا تعاديهم بقدر ما تهدف لمحاولة تفادي الفوضى وتسلل العناصر المخربة".

على صعيد مواز، بات الاقتصاد مرهقا نتيجة عزوف المستثمرين وانحسار عائدات السياحة، في وقت يواجه البلد هجمات مسلحة مستمرة تتبناها "مجموعات متطرفة" بينها تنظيم الدولة الاسلامية.

ويقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة حازم حسني إن "المصريين في حالة غضب وعدم رضا اقتصادي، كما أن ظروفهم المعيشية تسوء كل يوم عن اليوم الذي قبله".

المصدر : الفرنسية