الاحتقان الاجتماعي بتونس يأتي في وقت لم تلتقط الثورة أنفاسها بعد جراء الأزمات الاقتصادية والعمليات المسلحة، في باردو وسوسة والعاصمة والقصرين نفسها، التي عطلت شرايين مهمة للاقتصاد ومنعت صياغة أي منوال للتنمية لصالح هذه المناطق.


                                                                                   زهير حمداني

على خطى محمد البوعزيزي، تأتي وفاة الشاب القصريني العاطل عن العمل رضا اليحياوي بعد خمس سنوات من الثورة التونسية لتطلق أسئلة كثيرة تقارب مدى نجاح الثورة التونسية من منظور اجتماعي، وهي التي أطاحت بعروش وأحزاب ومكنت أخرى وحققت نجاحا على الصعيد السياسي.

قضى اليحياوي متأثرا بحروق من صعقة كهرباء أثناء تسلقه عمودا مقابل مقر ولاية القصرين احتجاجا على استثنائه من وظيفة بوزارة التربية، وبينما اعتبر البعض ما حصل انتحارا احتجاجيا على غرار ما حصل مع البوعزيزي، فقد شهد موكب تشييع اليحياوي احتجاجات في مدينة القصرين أعادت للأذهان وقائع الثورة التونسية في أيامها الأولى.

السلطات من جانبها أعلنت حظر تجول جزئي لمنع استغلال المظاهرات في إثارة أعمال عنف، وذلك قبل أن تنتقل الاحتجاجات لبعض معتمدياتها (دوائر) مثل فريانة وتالة، وتتوسع باتجاه بعض المدن في ولاية سيدي بوزيد المجاورة ليصف البعض ما يحصل بانتفاضة أو بوادر "ثورة جديدة".

يرى أهالي القصرين (نحو ثمانين ألف نسمة) والمحافظة (440 ألف نسمة ) الواقعة في الوسط الغربي أن منطقتهم دفعت "ضريبة الدم" إبان ثورة انطلقت من سيدي بوزيد، لكنها اكتسبت زخما وقوة بوقوف سكان المدينة بصلابة مع مطالبها والتي لا تخرج عن منحهم الحق في العمل والكرامة والقضاء على الفساد والمحسوبية كأدوات لديكتاتورية النظام السابق.

مقر ولاية القصرين وسط غربي تونس (الجزيرة)

تهميش متواصل
والولاية التي تشهد معدلات بطالة عالية وضعفا في البنية التحتية والتنمية، لم تحظ فعليا بمشاريع كفيلة بحل مشاكلها الاقتصادية والاجتماعية المزمنة رغم الزيارات المتكررة والوعود الكثيرة لمسؤولين في الدولة والحكومات السابقة بل أصبحت بعد الثورة تدفع ثمن موقعها الجغرافي بوجودها بين سلاسل جبلية أهمها الشعانبي حيث يتمترس مسلحون وينفذون عمليات من هناك.

وطبقا للمنتدى الوطني للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، تأتي ولاية القصرين في المرتبة الأخيرة ضمن مؤشرات قياس التنمية للولايات في تونس، وهو معدل رافقها منذ النظام السابق، ويبلغ معدل البطالة فيها نسبة 23%، بينما يبلغ المعدل الوطني نحو 15%.

وبذلك تبقى هواجس الفقر وانعدام فرص العمل تظلل أي منجز آخر حققته الثورة التونسية على الصعيد السياسي، فالاحتجاجات تواصلت  قبل الثورة وبعدها في عدد من المناطق التي تعد أقل حظا في التنمية في الشمال الغربي والوسط الغربي والجنوب.

ويقول النائب بمجلس النواب عدنان الحاجي إن الاحتجاجات الأخيرة سببها عدم التفات الحكومات المتعاقبة للتنمية ومطالب الشغل، مؤكدا أن قراءة أولية في الأحداث تشير إلى أن "موجة الاحتجاجات ستشمل أغلب الجهات المحرومة".

وهذا الاحتقان الاجتماعي بفعل الفقر والبطالة يأتي في وقت لم تلتقط الثورة أنفاسها بعد جراء الأزمات الاقتصادية والعمليات المسلحة، في باردو وسوسة والعاصمة والقصرين نفسها، التي عطلت شرايين مهمة للاقتصاد ومنعت صياغة أي منوال للتنمية لصالح هذه المناطق بقطع النظر عن توفر الإرادة بذلك.

وتصطدم أي محاولات لتلافي الوضع في هذه المناطق بالأزمات العديدة في قطاعي السياحة والخدمات، وتراجع الاستثمار ولجوء الحكومة إلى الدين الخارجي لسد بعض أوليات التمويل العمومي، كما أن أزمة الحزب الحاكم "نداء تونس" تلقي بظلالها أيضا في هذه الفترة.

ويؤكد الوزير السابق في حكومة الترويكا عبد الوهاب معطر على فيسبوك أن المطلوب الآن هو الإبداع والتركيز واتخاذ إجراءات فورية جادة لفائدة المناطق الداخلية وتحويل وجهة التمويل العمومي نحو مفاصل الفقر والبطالة ومقاومة الفساد خصوصا في الجهات الداخلية.

 الحكومة أعلنت حظر التجوال في مدينة القصرين (الجزيرة)

معالجة الأسباب
ويرى الكثير من الباحثين أن الأسباب التي دفعت إلى ثورة 14 يناير/كانون الثاني لم تنتف إلى الآن وما زال سكان المناطق التي شهدت الانتفاضات الأولى بانتظار تحقيق قدر من التنمية وتوفير فرص العمل وتطوير البنية التحتية.

ويذهب البعض إلى ضرورة تعديل المسار الثوري الذي كان أساسه المطالبة بفرص العمل والتنمية والكرامة والحرية، وهو ما يتطلب إجراءات سياسية وأخرى اجتماعية قد لا تكون الحكومة  قادرة عليها في الوقت الحاضر.

ويؤكد النائب بمجلس النواب عن الجبهة الشعبية عمار عمروسية أنه بات من الضّروري على الحكومة الحالية أن تعترف بأن خيارتها السياسية والتنموية خاطئة، مشيرا إلى أن هذه التحركات ليست اعتباطية وأن "هناك بوادر انتفاضة ثانية من أجل الشغل والكرامة".

فالثورة التي نجحت على المسار السياسي وبنت نظاما سياسيا يقوم على حرية التعبير والتعددية والانتخابات الحرة والتداول على السلطة، لم يستطع القائمون على الحكم فيها منذ 14 يناير/كانون الثاني 2011 إرساء مقاربة تنموية تحقق تطلعات المناطق المحرومة وفئة الشباب، وكانت بعض الاحتجاجات تحمل على أنها مجرد توظيف سياسي من أحزاب أو حركات معارضة.

ويحمل أي انفلات أمني أو تحرك احتجاجي واسع مخاطر على الدولة والثورة -كما يؤكد سياسيون تونسيون- فالبلاد تشهد واقعا أمنيا صعبا وترصدا من المسلحين الذين ينتشرون خاصة في جبل الشعانبي.

 ويؤكد رئيس كتلة حركة النهضة بمجلس النواب نور الدين البحيري أن الوضع الأمني لا يحتمل موجة من الاحتجاجات العنيفة والتي يمكن أن تستغلها الجماعات "الإرهابية" مثلما حصل في وقت سابق في تونس.

 لكن البحيري يؤكد أن من حقّ شباب الولايات الدفاع عن مطالبهم المشروعة ولكن يجب ألا تتجاوز الاحتجاجات النضال السلمي لأن "البلاد لا تحتمل التّحركات العنيفة بما أن الحكومة واعية بأهمية مطالب الشباب، وقد وضعتها من ضمن أولويات القرارات القادمة".

وفي بلد ثورة الياسمين، تبدو الأعباء الاجتماعية والاقتصادية أكبر بكثير من السياسية، فالمسار السياسي حقق اختراقات كثيرة وأصبح نموذجا عربيا بينما تمثل البطالة والفقر والتفاوت المناطقي عوامل تفجير دائمة، خاصة في القصرين التي قد ترجع أحداثها الثورة التونسية إلى مربعها الأول.

المصدر : الجزيرة