بعد خمس سنوات من رحيل الضحايا وعطب أجساد المصابين، لم تُحقق ثورة يناير بمصر أهدافها السياسية ولا الاقتصادية ولا الاجتماعية، مما زاد من مرارة التضحية بلا ثمن عند المصابين وذوي الضحايا.

دعاء عبد اللطيف-القاهرة

وقتها حُسِبوا أبطالا، وبتضحياتهم هتف الثوار وتغنت النخبة لنيل منصب أو كسب تيار سياسي، ثم بعد خمس سنوات باتوا تُهمة تجب مواراتها، فضحايا الثورة ومن أصيبوا خلال أحداثها أهم الشهود على أن 25 يناير هو الحدث الثوري الوحيد الذي مر بمصر منذ عقود، على عكس هوى السلطة الحالية.

وبعد خمس سنوات من رحيل الضحايا وعطب أجساد المصابين، لم تُحقق الثورة أهدافها سواء السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، مما زاد من مرارة التضحية بلا ثمن عند المصابين وذوي ضحايا يناير.

وسقط 840 قتيلا خلال ثورة يناير وفق بيان لوزارة الصحة في أبريل/نيسان 2011، لكن لجنة تقصي حقائق الثورة قالت إن الرقم الحقيقي هو 866 قتيلا، فضلا عن نحو ستة آلاف مصاب.

جانب من مظاهرات ثورة 25 يناير (الجزيرة نت)

"لو علمت ما سيجري ما كنت شاركت في الثورة.. هذا البلد لا يستحق"، هكذا يلخص محمد (اسم مستعار) ندمه على مشاركته في الثورة وإصابته برصاصة في ساقه اليمنى أثناء مظاهرة أمام وزارة الداخلية ليل 28 يناير/كانون الثاني 2011.

ويضيف للجزيرة نت "لقد وصل التضييق الأمني درجة أني أتحدث باسم مستعار حتى لا أصاب بأذى في عملي أو يتم اعتقالي"، موضحا أن الحريات والعدالة الاجتماعية التي خرج من أجل تحقيقها دفنت تحت نظام مبارك الذي لم يرحل حتى الآن".

ويقول محمد الذي ألغى حسابه على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك بسبب اكتئابه جراء أخبار الاعتقال والتصفيات الجسدية، إن ثوار يناير تعرضوا لأكبر خدعة عندما تركوا الميدان يوم 11 فبراير/شباط 2011 بعد إعلان تنحي حسني مبارك. ويردف أن "السلطة الحالية ما هي إلا فرع من جذر نظام مبارك المتأصل في مؤسسات الدولة الفاسدة، خاصة الأمنية منها".

ولا يتوقع الشاب أي حراك ثوري فعال خلال الفترة المقبلة، معللا توقعه بسؤال "من سيثور والشباب إما قُتلوا أو اعتقلوا أو هاجروا من البلد بلا رجعة؟".

ومقارنة بيأس محمد، تستوعب إلى حد ما والدة أحمد عبد المجيد ما آلت إليه الثورة التي شارك فيها ابنها وقتل برصاص قوات الشرطة، فتقول للجزيرة نت "كنت أعرف أن لا فائدة في هذا البلد، وترجيت ابني كثيرا كي لا يشارك في الثورة، لكنه شارك فيها دون علمي حتى اتصل أصحابه بزوجي ليخبرونا أنه في المستشفى، وبعدها بساعات توفي".

وتشير إلى أن أكثر ما يوجعها هو مشاهدة مقدمي البرامج في القنوات الفضائية وهم يُخوّنون ثوار يناير، إذ تتذكر ابنها الذي كان طالبا متفوقا بكلية الهندسة، وتقول إن "ابني لم يكن يوما خائنا لبلده، بل هم الخونة".

وتوضح أن ابنها الثاني قرر الهجرة من مصر بعد إنهاء دراسته، وتضيف "لا يطيق تردي الأوضاع، خاصة أن صديق طفولته اعتقل منذ خمسة أشهر دون ذنب". لكن السيدة الخمسينية ترضى بمصير أسرتها قائلة إن "ابني يأتيني على فترات في المنام وهو في مكان أفضل".

ضحايا ثورة يناير في مرمى سهام الإعلام الذي يصفهم بالخائنين (الجزيرة نت)

وربما يشفي الحكم على مبارك ونجليه في قضية القصور الرئاسية نسبيا غليل الحاج محمد الذي استشهد نجله علاء أثناء مشاركته في مظاهرة كانت تمر أمام قسم شرطة المطرية شرقي القاهرة.

ويقول الرجل الستيني إنه يشعر بيأس شديد عندما يرى نجلي مبارك بكامل الصحة والإطلالة "الشيك" -حسب وصفه- داخل قفص المحاكمة، في حين يتابع مشاهد دامية للشباب المعتقل الذي يموت كثير منهم من الإهمال الطبي والتعذيب. ويتابع "توسمت خيرا في الرئيس عبد الفتاح السيسي عندما تولى الحكم، لكن لا شيء تغيّر سوى مزيد من الشهداء في سيناء".

وعلى وسم "أنا شاركت في ثورة يناير" الذي انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي، كتب صلاح قاسم على موقع فيسبوك "أنا شاركت في ثورة يناير كي أطيح بمبارك، لكن للأسف مبارك باق طالما يستمر رفاقه وأعوانه في حكم مصر، ولن يغادروا الحكم إلا ببرك من الدم، فالمليارات التي سرقوها لن يتخلوا عنها بسهولة لصالح مسؤولين محترمين يخلفونهم في الحكم.. خسارة في مبارك وأعوانه وفي البلد العشرين خرطوشا التي كانت في جسمي بسبب الثورة".

المصدر : الجزيرة