دور القوى الخارجية في تعثر الثورات العربية يبدو ملموسا في أكثر من جبهة، كما هي الحال في سوريا، واتفق باحثون وأكاديميون في ندوة لمركز الجزيرة للدراسات بالدوحة على الضرر الذي ألحقته تلك التدخلات، فضلا عن دعم الثورات المضادة.

محمد أزوين-الدوحة

ناقش باحثون وأكاديميون في الندوة الثالثة لمركز الجزيرة للدراسات بالدوحة حول الربيع العربي دور القوى الإقليمية والدولية في تعثر الثورات العربية، التي اتخذت اتجاهات تختلف من دولة لأخرى حسب الأجواء المحيطة بها.

في هذه الندوة، التي حملت عنوان "أدوار ومسؤوليات القوى الإقليمية والدولية في الربيع العربي"، انتقد البعض عجز الدول العربية الفاعلة في الساحة العربية حاليا عن تشكيل تحالف عربي يستطيع إنشاء جيش عربي منظم تحت مظلة عربية.

وقالوا إنه من شأن ذلك الجيش أن يحمي العالم العربي من ملاحقة العالم، ومن وصم مواطنيه بالإرهاب، ويكون قادرا على التصدي لمخططات دول إقليمية ودولية تسعى إلى تدمير ما تبقى من دول عربية من أجل مصالحها الخاصة على حساب الشعوب العربية، حسب تعبيرهم.

وخلال تناوله الحالة السورية، قال المعارض السوري برهان غليون إن دور الفاعلين الدوليين في الثورة السورية يعد سلبيا جدا، حيث نقل هذا الدور الثورة السورية من مطالب عادلة إلى حرب إقليمية ودولية، ولعبة مصالح عالمية يدفع الشعب السوري فاتورتها من دمائه وما تبقى من بنية تحتية لدولته.

وأكد أن التدخل الإقليمي والدولي يعمل على إيجاد مبررات لنظام استعماري جديد يقوم على ثلاثة مشاريع: إيرانية وروسية وإسرائيلية. فبعد انسحاب القوى الغربية من المنطقة، وفتحها ثغرة في حائط الأمة باحتلالها العراق وتدمير جيشه الوطني، بدأ الروس يتوجسون من فقدانهم الامتيازات التي كانت دكتاتوريات عربية تؤمنها لهم.

وما إن أُطيح بنظام العقيد معمر القذافي، وتداعى نظام بشار الأسد -يضيف غليون- حتى استيقن الروس أن النظام الجديد الذي يتشكل لن يكون لهم فيه مكان بعد انهيار مكب نفايات أسلحتهم في هذه الدول، لذا تدخلوا بعنف في سوريا لتلافي سقوط آخر قلعة تدور في فلكهم.

سيف الدين عبد الفتاح انتقد مواقف الدول الغربية من الثورات المضادة (الجزيرة نت)

تقاطع مشاريع
وأوضح برهان غليون أن المشروعين الإيراني والإسرائيلي في سوريا يتقاطعان في ما يتعلق بإبقاء سوريا دولة ضعيفة تكون جسرا يوصل الإيرانيين والإسرائيليين إلى طموحاتهم الإقليمية حتى لا تبقى بجوارهما قوة عربية تشكل خطرا عليهما في المستقبل.

ومهّد لهذا المشروع انسحاب الغرب من المنطقة، وعدم مساعدته الشعوب العربية في تحقيق أهداف الثورات، خاصة بعد رؤية الغرب نتائج الانتخابات في الدول التي سقطت أنظمتها التابعة له.

وللخروج من هذا الوضع يرى برهان غليون أن العرب لن يخرجوا منه إلا بتبنّي مشروع عربي موحد للوقوف في وجه مؤامرات القوى الإقليمية والدولية، وتكون لديه القدرة على الإطاحة بالأنظمة الدكتاتورية التي قادت الثورات المضادة، وإلا فإن الحبل سيكون على الجرار، ولن تنجو منه دولة عربية، فمصير المشرق العربي سيتحدد في سوريا سلبا أو إيجابا، وفق تعبيره.

من جانبه، قال الأكاديمي المصري سيف الدين عبد الفتاح إن ما حدث للثورات العربية من تعثر ناتج عن قيام اللاعبين الإقليميين والدوليين وقوى الثورة المضادة بإشاعة فشل الثورات، وبث روح اليأس في نفوس الشعوب الثائرة.

ففي الحالة المصرية، قال عبد الفتاح إنه يستطيع التأكيد على أن 18 يوما الأولى لم يكتب فيها العامل الخارجي حرفا واحدا، لكن في 18 شهرا التي تلت ذلك استطاعت القوى الإقليمية والدولية كتابة جزء كبير من مشهد الثورة المصرية، ولو لم تجد القوى الإقليمية والدولية الأرضية المناسبة للتدخل لوصلت الثورة المصرية إلى بر الأمان.

وفي تصريح للجزيرة نت أكد الأكاديمي المصري أن ما حدث ويحدث من تعثر في دول، وقتل وسجن في أخرى، وإبادة للشعب السوري، ما هو إلا نتائج لسنة التدافع التي لا بد للشعوب فيها من دفع فواتير باهظة، لكنه أكد أن الشعوب العربية ستصل في نهاية المطاف إلى أهدافها.

وانتقد مواقف الدول الغربية من ثورات الربيع العربي، ودعمها الثورات المضادة، والسكوت عن إبادة الشعب السوري من طرف نظام يسعى للبقاء على حساب شعبه، متسائلا عن مصير حماية الديمقراطية التي ظل الغرب يرددها لعقود خلت.

 رفيق عبد السلام قال إن قوى دولية استفادت من تراجع الدور الأميركي (الجزيرة نت)

تحالف مطلوب
وفي السياق نفسه، يرى وزير الخارجية التونسي الأسبق رفيق عبد السلام أن الموضوع يتعلق بالسياسة العربية في الدرجة الأولى وقدرتها على مواجهة هذه التدخلات الأجنبية قبل حصول فراغ سياسي في مختلف الدول العربية.

فتراجع الدور الأميركي في المنطقة بعد الاحتلال الفوضوي للعراق جعل قوى إقليمية ودولية تستفيد من هذا الانسحاب، وتعمل على تقويض مطامح الشعوب العربية نحو التحرر.

وأضاف في تصريح للجزيرة نت أن الخروج من هذا الوضع يحتاج إلى زيادة التنسيق والتحالف بين السعودية وقطر وتركيا لمواجهة مشاريع القوى الإقليمية والدولية، وعلى رأسها إيران وإسرائيل اللتان تعملان على تطويق المنطقة العربية، بدعم روسي للأولى وغربي للثانية.

ورأى عبد السلام أن على صانع القرار العربي أن يدرك أن الاستمرار في المسار نفسه لم يعد ممكنا على الإطلاق.

المصدر : الجزيرة