افتكار مانع-موسكو

رغم تأكيد موسكو الرسمي عدم نيتها تخفيف عقوباتها الاقتصادية المفروضة على تركيا، فإن المراقبين يرون مؤشرات مغايرة، لا سيما وجود عوامل عديدة تحول دون تطبيق الحظر الروسي بشكل كامل.

ونفت السلطات الروسية مؤخرا الأنباء التي تداولتها وكالات أنباء أجنبية تحدثت عن نية موسكو تغيير العقوبات المفروضة على أنقرة أو تخفيفها، وقالت المتحدثة باسم الحكومة نتاليا تيماكوفا إن روسيا لا تفكر في تغيير العقوبات التي فرضتها على شركات تركية وأفراد أتراك عقب حادثة إسقاط طائرة حربية روسية بنيران تركية فوق الحدود التركية السورية قبل أكثر من شهرين.

تناقض في الموقف
نشرت صحيفة كوميرسانت الروسية في 15 يناير/كانون الثاني الجاري نقلا عن مصدر حكومي -لم تكشف هويته- أنباء تحدثت عن استعداد الحكومة الروسية تخفيف العقوبات المفروضة على الشركات التركية العاملة على الأراضي الروسية.

وأوضح المصدر أن الموقف الروسي يأتي بدافع خشية السلطات الروسية من تعطل مشاريع البناء الجارية في إطار الاستعدادات لاستضافة كأس العالم لكرة القدم في 2018، لكن استمرار أنشطة الشركات التركية سيكون مشروطا بوجود شركاء روس، وبنسبة مشاركة تركية لا تتجاوز 25%.

من جهة أخرى، نشرت الحكومة الروسية على موقعها الإلكتروني الجمعة الماضي مسودة قرار بإعفاء بعض الشركات التركية من العقوبات، ويشمل القرار في المقام الأول شركات تصدير الفواكه والخضار، إضافة إلى تحديد قواعد تمكن شركات تركية في قطاعات معينة من مواصلة أنشطتها التجارية في روسيا. وفي حال دخول القرار حيز التنفيذ، سيكون بالإمكان استيراد بعض المنتجات التركية التي يصعب الاستغناء عنها من الناحية العملية.

تداخل مصالح
يقول المحلل الاقتصادي تيمور نيغماتولين إن موسكو لن تقدر على قطع علاقاتها التجارية بشكل كامل مع أنقرة، وإن التدهور الحاد في العلاقات مع تركيا وإطالة أمد الصراع ليسا في مصلحة موسكو سواء من الناحية الاقتصادية أو من الناحية الإستراتيجية أو من ناحية السياسة الداخلية.

نيغماتولين: موسكو لن تقدر على قطع علاقاتها التجارية بشكل كامل مع أنقرة (الجزيرة)

ويضيف نيغماتولين في حديثه للجزيرة نت أن تركيا واحدة من أهم شركاء روسيا التجاريين، كما أن تركيا هي المصدر الأهم للمواد الغذائية لروسيا، لا سيما بعد حظر استيراد المنتجات الغذائية من أوروبا، مشيرا إلى أن القيادة الروسية تدرك أن تركيا شريك اقتصادي مهم، فهي ثاني أكبر مستورد للغاز الروسي (بعد ألمانيا)، وفي ظل انخفاض استهلاك الغاز في جميع أنحاء العالم، تزداد أهمية هذا السوق بالنسبة لشركة "غازبروم".

ويخفي الحصار السياحي المفروض على تركيا مخاطر سياسية داخلية، فما زال من غير المعروف ما البدائل السياحية بعد حظر الوجهتين السياحيتين الأكثر تفضيلا بالنسبة للمواطنين الروس، وهما مصر وتركيا، الأمر الذي سيزيد من استياء قطاعات واسعة من الروس.

الخاسر الأكبر
المحلل السياسي أندريه أوكارا يرى هو الآخر أن العقوبات أضرت روسيا أكثر مما أضرت تركيا، وأن العقوبات برهنت على أن روسيا تعتمد بشكل كبير على التعاون مع الجانب التركي.

ويقول أوكارا للجزيرة نت إن الحكومة الروسية توصلت لاستنتاجات كارثية، تتعلق بتأثيرات العقوبات المفروضة على تركيا وانعكاساتها على المواطن الروسي، فالمنتجات الزراعية التركية ظلت عقودا مضت تملأ المخازن التجارية الروسية، لأنها الأنسب من حيث الجودة والسعر.

ويشير المتحدث إلى أن الحظر قلّص خيار المواطن، وارتفعت معه الأسعار بشكل جنوني، وكذلك الأمر بالنسبة لشركات البناء التركية التي عملت منذ ثمانينيات القرن الماضي، وكان لها دور واضح في إقامة البنى التحتية والجسور والمشاريع الضخمة.

وكانت لتلك الشركات مشاركة أساسية في منشآت أولمبياد سوتشي 2014، والآن هي التي تقوم ببناء ملاعب كرة القدم والمنشآت الرياضية لاستضافة كأس العالم 2018 ، وإذا استمر حظر عملها فإن روسيا ستواجه صعوبة كبيرة في إيجاد بديل مناسب بالسرعة المطلوبة، مما يهدد بعدم إقامتها.

وفي ما يتعلق بالتخفيف المحتمل للعقوبات، يضيف أوكارا أن الحكومة الروسية تدرك حاجتها لمواصلة الشركات التركية عملها، لا سيما في مجال الإنشاءات.

لكنها في الوقت نفسه، تريد أن تصور موقفها كنصر جديد عبر وسائل الإعلام التابعة لها بربطه بوجود شركاء روس، في محاولة منها لحفظ ماء الوجه، مشيرا في الوقت نفسه إلى أن القيادة الروسية لا ترغب في تسوية خلافاتها مع الجانب التركي لأنها مستفيدة من استمرار تصوير تركيا كعدو خارجي.

المصدر : الجزيرة