يحقق جيش النظام السوري إنجازات قياسية مستفيدا من دعم روسيا والمليشيات الشيعية، حيث يتقدم بريف اللاذقية ودرعا، ويسعى لفرض شروطه باتفاقيات هدنة في ريف دمشق وحمص، لكن المعارضة تحتفظ بقوتها بمناطق أخرى، مما يزيد من تعقيد المشهد قبل مفاوضات جنيف.

بعد أكثر من ثلاثة أشهر على بدء الحملة الروسية ضد معارضي النظام السوري، يرى محللون أن النظام استعاد جانبا من زمام المبادرة العسكرية في مناطق إستراتيجية، مما قد يرفع أسهمه في المفاوضات السياسية المزمع عقدها قريبا، بينما تصرّ المعارضة على أنها ما زالت تحتفظ بقوتها وتتشبث بمواقفها.

وكان جيش النظام حقق مؤخرا أهم إنجازاته منذ التدخل الروسي، فبعد أكثر من مئة غارة روسية على منطقة سلمى في ريف اللاذقية، تمكن النظام من انتزاع المنطقة المطلة على مناطق واسعة من الساحل السوري (معقل النظام) والقريبة من الحدود مع تركيا.

ويرى الباحث في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى فابريس بالانش أن استعادة النظام سلمى ومناطق أخرى في ريف حلب الجنوبي، وكسره حصار تنظيم الدولة الإسلامية على مطار كويرس العسكري، أسهما في زيادة مساحة الأراضي التي استعادها إلى أربعمئة كيلومتر مربع.

ويضيف أن النظام يريد بمساعدة روسيا استعادة جبلي الأكراد والتركمان بريف اللاذقية حيث يتمركز الروس، ثم استعادة حلب لأن بشار الأسد يريد الاستمرار في حكم البلاد، ولن يكتفي بالسيطرة على دمشق دون حلب.

وفي درعا (جنوب)، تقدم جيش النظام مؤخرا في مناطق واسعة، لا سيما مدينة الشيخ مسكين، ويبدو أنه يسعى لقطع طرق الإمداد الرئيسية من دمشق إلى درعا القريبة من الحدود مع الأردن.

ويرى المحلل الأردني لبيب قمحاوي أن للأردن مصلحة في عودة سيطرة جيش النظام السوري على المعابر الحدودية، كي يخفف الأردن من الأعباء الأمنية التي يتكبدها لحماية حدوده.

غارات روسية مكثفة على مدينة الشيخ مسكين بدرعا (الجزيرة)

تغيير ديمغرافي
من جهة أخرى، يرى ناشطون أن إيران تسعى منذ منتصف عام 2013 لإحداث تغيير ديمغرافي في مناطق بسوريا بعد تهجير أهلها، حيث يتولى ضباط إيرانيون مهمة فرض الحصار، ثم يقودون وفود التفاوض مع المعارضة على اتفاقيات الهدنة مقابل تهجير السكان.

وكان ضباط إيرانيون على رأس الوفد المفاوض في مايو/أيار 2014 عندما توصلوا إلى اتفاق مع المعارضة قضى بإخراج السكان والمقاتلين من أحياء حمص القديمة إلى الريف الشمالي، ثم تكررت هذه السياسة في حي الوعر بحمص، وفي بلدة الزبداني بريف دمشق، وهي تتكرر حاليا في بلدة المعضمية.

قوة المعارضة
في المقابل، يبدو أن المعارضة المسلحة ما زالت قادرة على إثبات قوتها في بعض المناطق، فبالرغم من تصعيد القصف والحصار في بلدات بريف دمشق مثل داريا والمعضمية، لم تتمكن قوات النظام حتى الآن من اقتحامها. ويقول أحد أعضاء الوفد المفاوض للجزيرة نت إنه يرجح فشل التفاوض على الهدنة بالمعضمية لأن "أغلب أبنائها من مدنيين ومقاتلين يرفضون الهجرة إلى إدلب".

وبينما يستغل النظام القصف الروسي بريف حلب الجنوبي لقطع الطريق بين مناطق المعارضة في حلب وإدلب، تمكنت المعارضة اليوم من استعادة السيطرة على محيط بلدة خان طومان بعد أيام من خسارتها.

وكذلك الحال في ريف حماة الجنوبي، فبينما يحاول النظام قطع آخر طرق الإمداد بينه وبين ريف حمص الشمالي، تمكنت المعارضة اليوم من استعادة مواقع كانت قد فقدتها في محيط بلدة حربنفسه.

حجاب: النظام يسيطر على 18% فقط من الأراضي السورية (الفرنسية)

وقد تبدو الساحة أكثر تعقيدا مع الأخذ بالحسبان انتزاع تنظيم الدولة المزيد من بلدات ريف حلب من قبضة المعارضة، كما تفرض "قوات سوريا الديمقراطية" -بأغلبيتها الكردية- سيطرتها على مناطق واسعة في شمال شرق البلاد، وهي تطالب بحصة أكبر من الأصوات في أي صفقة سياسية بين النظام والمعارضة.

وبالرغم مما يقوله محللون عن نجاح الدعم الروسي في خفض سقف مطالب المعارضة في أي مفاوضات مقبلة، فقد صرح المنسق العام للهيئة العليا للمفاوضات (المعارضة) رياض حجاب قبل يومين، بأنه من غير المجدي التفاوض مع "نظام فاقد للسيادة" يسيطر على 18% فقط من الأراضي السورية، كما تتمسك عدة فصائل مسلحة برفضها أي مفاوضات مع النظام ما لم تنفذ البنود الإنسانية في قرارات الأمم المتحدة.

ونظرا لهذه التطورات، يصعب التكهن بالقدرة التفاوضية لأي من الطرفين في محادثات السلام المقرر عقدها في 25 يناير/كانون الثاني الجاري في جنيف، إذ يبدو أن كلاهما يسابق الزمن لكسب المزيد من القوة على الأرض ليترجمها إلى رصيد أكبر من القوة على طاولة المفاوضات.

المصدر : الجزيرة + وكالات