مثل كل عام منذ "رحيل الطاغية"، يحتشد ممثلو منظمات وأحزاب ومثقفون وإعلاميون لإحياء تلك اللحظات الفارقة في شارع بورقيبة الرمز، حيث يعبر الجميع عن آرائهم بحرية طلقة، ويرفعون ما يحلو لهم من شعارات.

ماهر خليل

أحيت تونس اليوم الذكرى الخامسة لسقوط نظام زين العابدين بن علي في ثورة فتحت أمام الشعب التونسي صفحة جديدة من الحرية والكرامة، لكن رغم نجاح فريد ونادر في تحقيق انتقال سياسي تاريخي نحو الديمقراطية، فإن مشاعر الغضب والخيبة رافقت احتفالات هذا العام، بسبب تردي الأوضاع الأمنية والاقتصادية والاجتماعية.

وفي مثل هذا اليوم، وبعد نحو شهر من مظاهرات عارمة واجهها النظام بالرصاص والقتل، فاجأ بن علي -الذي حكم البلاد بقبضة حديدية طيلة 23 عاما- الجميع بهروبه خارج البلاد، فكانت الشرارة التي أطلقت ثورات مصر واليمن وسوريا، وباتت تعرف بثورات الربيع العربي.

وفي صباح اليوم نفسه، تجمهر آلاف المتظاهرين في شارع الحبيب بورقيبة وسط العاصمة تونس، وتحديدا أمام مبنى وزارة الداخلية الرمز المطلق آنذاك لبطش النظام، هاتفين للدكتاتور "ارحل"، وهو المصطلح الذي استعير لاحقا ليصبح شعار الثورات العربية.

ومثل كل عام منذ "رحيل الطاغية"، يحتشد ممثلو منظمات وأحزاب ومثقفون وإعلاميون لإحياء تلك اللحظات الفارقة في هذا الشارع الرمز، حيث يعبر الجميع عن آرائهم بحرية طلقة، ويرفعون ما يحلو لهم من شعارات، وهو مكسب يرى مراقبون فيه نقطة الضوء الوحيدة بعد الثورة في ظل ما آلت إليه البلاد من تقهقر على مستويات عدة.

فتيات شاركن اليوم في الذكرى الخامسة لسقوط نظام بن علي (الأوروبية)

وضع قاتم
وتحل الذكرى الخامسة "لثورة الياسمين" في ظل وضع قاتم وضبابي، حيث لا تزال البلاد تعاني من تفشي البطالة والفساد والفقر والتفاوت الاجتماعي، وهي الظروف ذاتها التي لعبت دورا حاسما في الثورة التي أطلقها البائع الجوال محمد البوعزيزي من سيدي بوزيد حين أضرم النار في جسمه في 17 ديسمبر/كانون الأول 2010 احتجاجا على تعسف السلطات وظلمها.

وإلى جانب الوضع الاقتصادي والاجتماعي المتردي، شهدت تونس سلسلة من الهجمات الدامية تبناها "جهاديون" وراح ضحيتها العشرات من عناصر الجيش والشرطة والسياح الأجانب.

وكان العام الماضي الأكثر دموية بعد انتقال العمليات من الجبال إلى المدن، واستهداف سياح في متحف باردو بالعاصمة، وفندق بمدينة سوسة الساحلية، ثم حافلة للأمن الرئاسي في قلب العاصمة.

خانة الغموض
وفي أبرز العناوين الصحفية المواكبة للحدث، أبدت صحيفة "لا بريس" خشيتها من العودة إلى "خانة البدايات، خانة الغموض والخوف"، في حين رأت صحيفة "المغرب" أن البلاد "تحيي حدثا مؤسسا لواقع ومستقبل تونس لعقود وربما لقرون قادمة".

مجموعة من جرحى وعائلات شهداء الثورة شاركت في مسيرة اليوم بشارع بورقيبة (الأوروبية)

كما دعت صحيفة "لو تان" إلى "إعطاء الأمل لجميع من خابت آمالهم"، محذرة من أن "خطاب جلد الذات يقضي على المعنويات وعلى المستقبل".    

ومقارنة مع تحول أغلب دول "الربيع العربي" الأخرى إلى دول فاشلة، تعمها الفوضى والنزاعات الدامية، على غرار سوريا وليبيا واليمن، بدت التجربة التونسية على علاتها أكثر استقرارا ونجاحا؛ فقد أقر دستور جديد ونظمت انتخابات حرة وشفافة، كما تلقت تونس جائزة نوبل للسلام عام 2015.

وبعد الانتخابات التشريعية التي أفضت لصعود حركة نداء تونس إلى سدة الحكم، وأفضت إلى تشكيل ائتلاف حكومي بمشاركة حركة النهضة، خرجت إلى العلن صراعات داخلية في صفوف حزب النداء الذي أسسه الرئيس الباجي قائد السبسي في 2012.

وانتهت هذه الأزمة بانقسام الحزب إلى شقين وسط توقعات بأن يعصف الصراع بمستقبل الائتلاف الحكومي، وربما قد يدفع إلى انتخابات مبكرة، حسب مراقبين.

المصدر : الجزيرة + وكالات