ديمة شريف-بيروت

لا يصدق محمد، اللاجئ السوري، أنّه أصبح يملك إقامة شرعية لبنانية، والتي يكرر خلال اللقاء معه أنها أهم ما يملك اليوم بعد أولاده. لكنه سرعان ما يتذكر أنّه خلال بضعة أشهر سيضطر لتجديدها، فتجتاحه حالة من القلق، يتذكر معها المسار الصعب الذي خاضه للحصول على هذه الإقامة.

أتى محمد، الشاب الدرعاوي الأب لثلاثة أولاد، إلى لبنان في السنة الأولى للثورة السورية، وهو يقطن ويعمل في إحدى بلدات قضاء بعبدا في جبل لبنان، حيث يعمل نهارا في محل صغير للنسيج وبعد الظهر وليلا حارسا لمبنى سكني يبعد حوالي عشر دقائق مشيا عن عمله.

يدر عليه عمله الأول نحو ثلاثمئة دولار شهريا تكاد لا تكفيه مصاريف الطعام والحليب لأولاده، أما عمله الثاني فيقوم به مقابل شقة صغيرة منحه إياها أصحاب المبنى. وعندما بدأ تطبيق القانون الجديد للإقامة من قبل الأمن العام اللبناني قبل عام اعتقد محمد أن الأمور ستجري بسلاسة وسيحصل على الإقامة بسرعة لكنه اصطدم بواقع التعقيدات الإدارية.

عقبات
العقبة الأولى التي واجهت محمد كانت مالية، فصاحب المحل الذي يعمل فيه أخبره بأنه مستعد لكفالته لكنه لا يستطيع دفع مئتي دولار أميركي تكلفة الإقامة لأنه كان يمر بظروف صعبة، فاضطر محمد للاستدانة من عدد من أصدقائه لجمع المبلغ، وبعد أن أنجزت كامل الأوراق اللازمة لتجديد الإقامة والتي تكلفت 75 دولارا أميركيا، وحين حاول صاحب العمل استخلاص إجازة عمل له لزوم الإقامة، تفاجأ برفض وزير العمل سجعان قزي توقيع الإجازة.

مضت أسابيع من المراوحة إلى أن صدر قرار عن وزارة العمل يحدد المهن التي لا يسمح فيها للسوريين بممارستها في لبنان، ومن بينها عمل محمد في الحرفة ذاتها أي صناعة النسيج.

لم يعد يعرف محمد ما يفعل، فقد تحولت حياته جحيما وتوقف عن إرسال طفلته إلى المدرسة خوفا من أن يوقفه حاجز أمني في طريق الذهاب والعودة.

بعض الأطفال اللاجئين بلبنان خرجوا للعمل بعدما عجز آباؤهم عن تجديد الإقامة فحرموا من العمل (الجزيرة)

رشاوى
بعد بضعة أسابيع نصح أحدهم صاحب المحل أن يغير أوراق محمد لتكون مطابقة لمتطلبات وزارة العمل، فأصبح محمد على الورق عامل نظافة، ووافقت وزارة العمل على إصدار إجازة عمل له، لينهي كل الترتيبات ويحصل على إقامة، لكن تطلب منه الأمر بضعة أشهر حتى تمكن من سداد كلفة الإقامة لأصدقائه، وسيعود للاستدانة هذا العام أيضا لجمع الكلفة.

رغم كل هذه المصاعب، يعتبر محمد أنه كان محظوظا، فعدد من اللاجئين يضطر لرشوة لبنانيين كي يقبلوا بكفالته، كما يؤكد نائب مدير قسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش نديم حوري في حديث للجزيرة نت.

وقال حوري إن تعليمات الإقامة الخاصة بالدولة اللبنانية تجعل حياة اللاجئين السوريين في لبنان، الذين وصل عددهم وفق بعض التقديرات إلى مليون ومئتي ألف، مستحيلة.
 
ويعتبر حوري أن القواعد الجديدة أدت إلى فقدان الكثير من اللاجئين الصفة القانونية في العام الماضي، كما أوردت ذلك المنظمة في تقريرها الثلاثاء الماضي في بيروت بعنوان "أريد فقط أن أُعامَل كإنسانة: كيف تسهل شروط الإقامة في لبنان الإساءة ضد اللاجئين السوريين".

وقد قابل العاملون في المنظمة وفق حوري العديد من العائلات التي لم يتمكن فيها الأب من تجديد الإقامة فاضطر للبقاء في المنزل، وأولاده خرجوا للعمل في وظائف ليست مناسبة لسنهم وبنيتهم الجسدية. وطالب حوري الدولة اللبنانية بإيجاد آلية تلغي بموجبها المبلغ المالي المطلوب لتجديد الإقامة وتخفف شروطها، من دون المساس بأمن لبنان وحقه في معرفة من يوجد على أرضه.

المصدر : الجزيرة